دراسة جديدة تُعيد كتابة التاريخ.. قصة أول ملكة تحكم مصر بصلاحيات كاملة
توصلت دراسة جديدة أجرتها باحثتان أجنبيتان إلى أدلة جديدة تدعم وتؤكد تولي سيدة تسمى ميريت نيث حكم مصر.
واعتمدت الباحثتان سوز كيلي من جامعة تشارلز فى براغ بجمهورية التشيك، وكريستال ميلر من جامعة بوخارست برومانيا، خلال الدراسة، على تقنية رقمية خاصة قامت على عزل العلامات الهيروغليفية من الصور وقلب ألوانها، وتحويلها إلى رسومات عالية التباين، بهدف إظهار تفاصيل النقوش التي لم تكن واضحة من قبل، فيما أشارت الدراسة إلى أن الهدف الأساسي من هذا التحليل هو إعادة تقييم مجموعة من النقوش الملكية المعروفة باسم “السرخات”، وهي رموز كانت تُستخدم في مصر القديمة لكتابة أسماء الحكام، وهو ما أسفر عن أدلة جديدة تدعم تولي ميريت نيث حكم مصر.
فهل وصلت السيدة إلى مكانة الملك نفسه وحكمت البلاد باعتبارها حاكمة كاملة الصلاحيات كما تقول الدراسة أم لا؟.

أول امرأة تتولى الحكم في التاريخ
وفي تصريحات خاصة لـ “العربية.نت” و”الحدث.نت”، ألقى باحثان مصريان الضوء على الأهمية التاريخية والدينية للملكة المصرية القديمة “مر نيث” أو “مريت نيث” والتي يعني اسمها “محبوبة المعبودة نيث”، معتبرَين إياها إحدى أبرز الشخصيات الاستثنائية التي صنعت الفارق في بداية عصر الأسرات.
يقول كبير الأثريين بوزارة السياحة والآثار المصرية، الدكتور مجدي شاكر، لـ”العربية.نت” و”الحدث.نت”، إنه من الثابت لدى علماء الآثار أن الملكة المصرية مر نيت أو مريت نيت حكمت الامبراطورية المصرية منذ خمسة آلاف عام تقريباً، هي أول امرأة تتولى الحكم في التاريخ البشري، إذ بعد موت زوجها الملك اعتلت عرش مصر وحكمت البلاد بينما كان ابنها الملك دن طفلاً رضيعاً، فتم تتويجها على عرش مصر كوصية على العرش، وحكمت لمدة خمسة عشر عاماً، ووضع اسمها فوق رمز القصر الملكي، وصنع لها خاتماً ملكياً لتسير شؤون الدولة المصرية التي ورثت حكمها بصفتها إحدى حفيدات الملك المؤسس نعرمر.

ختم الملكة في بلاد النهرين
وتابع قائلاً: وما أن مكنت “مريت نيت” لابنها “دن” الحكم حتى انسحبت من المشهد السياسي كملكة مشاركة في الحكم بل وصاحبة القرار فيه، إلى دور الملكة الأم التي تعضد حكم ابنها وتقف خلفه بالمشورة والنصيحة والمشاركة في الرأي إن تطلب الأمر ذلك، موضحاً أن ابنها كان بذك من أسعد الملوك الذين حظوا بدعم أم قادرة وذكية قامت على تربيته وتنشئته تنشئة تليق بمن سيحكم مصر.
وأشار الدكتور مجدي شاكر، إلى أن مصر بلغت في عهد هذه الملكة أوج عظمتها و قوتها إذ عثر لها على ختم ملكي من الطين المفخور خارج مصر، تحديداً تحت أنقاض معبد سومري في مدينة الوركاء السومرية في بلاد النهرين، في طبقة أثرية تسبق عصر السلالات السومري عندهم، وتسبق بداية عصرهم السياسي والتاريخي، موضحاً أن على الختم نقش اسم الملكة مريت نيت بالكتابة الهيروغليفية، ووصفه العالم الألماني هانز نيسين الذي عثر عليه في حفائر البعثة الألمانية في مدينة أوروك السومرية بأنه به كسر وينتمي لطبقة ما قبل السلالات الأولى السومرية.
لغز ومفتاح في آن واحد
وأضاف أن التفسيرات حول وجود ختم مصري عليه كتابة هيروغليفية تحمل اسم الملكة المصرية الحاكمة تعددت، وأكثر هذه الآراء ترجيحاً هو أن ملكة مصر التي حكمت عام 3000 قبل الميلاد تقريباً، وأقامت علاقات تجارية نشطة مع كهنة بلاد النهرين قبل العصر التاريخي والسياسي لبلادهم، حيث يعتبر اسم الملكة مريت نيت أول اسم ملكي يعثر عليه في بلاد النهرين.
من جانبه، يبحر عالم الآثار المصري الدكتور عبد الرحيم ريحان، مدير المكتب الإعلامي لمجلس الآثاريين العرب، ورئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصرية، في تفاصيل هذا الكشف في تصريحات خاصة لـ “العربية.نت” و”الحدث.نت”، مؤكداً أن الدراسة تتمتع بوزن علمي رصين لكونها صادرة عن متخصصين، مقترحاً في الوقت ذاته إشراك علماء مصريات مصريين متخصصين في اللغة المصرية القديمة لإثراء هذا البحث بالعمق اللغوي المطلوب.
ويصف الدكتور ريحان الملكة “مريت نيث” بأنها لغز ومفتاح في آن واحد لفك أسرار عصر الأسرات المبكر؛ فهي المرشحة الأولى لتكون أول امرأة تتسلم عرش الحكم في التاريخ البشري خلال الأسرة الأولى، رغم انقسام الآراء الأثرية حول ما إذا كانت قد مارست السلطة المطلقة بمفردها أم اكتفت بكونها زوجة لملك. وتكشف المخطوطات والرموز – كما يقول ريحان – أن اسمها الذي يعني “محبوبة نيث” اقترن بمعبودة الحرب “نيث” ونُقشت على أدوات عصرها ألقاب دالة كـ”نيث حتب” (نيث راضية) و”نخت نيث” (نيث القوية)، إلى جانب ظهورها بلقب “موت نسوت” (أم الملك) على أختام الملك “دن”.
أختام ومقتنيات عاجية
وتابع أن هذا التداخل الأثري يضعها في قلب العائلة الملكية؛ فهي على الأرجح ابنة الملك “جر” كما يرجح العالم بيتر كابلوني، وزوجة الملك “جت” نحو عام 2900 قبل الميلاد، وأم الملك “دن”.
وتتبع ريحان رحلة الأثريين في تعقب آثار الملكة الغامضة، بدءاً من اللوحة التذكارية المصنوعة من الحجر الرملي التي عثر عليها الباحث فلندرز بيتري عام 1900 بجرداء “أم الكاب” في أبيدوس، وصولاً إلى الأختام والمقتنيات العاجية والطاسات المصنوعة من سن الفيل وأواني المرمر في سقارة، والتي حملت أسماء رجال إدارتها وكبار موظفيها مثل الوكيل “هاتيا” و”سخ كا” مدير مقاطعة “حور واج”، لتؤكد أن النفوذ الإداري للملكة امتطى حدود أبيدوس إلى قلب سقارة.

واستطرد ريحان بالحديث عن “منطقة الوادي” التابعة لمقبرة الملكة، والتي تمتد على مساحة 66.5 × 25.5 متر وتضم 71 مقبرة ثانوية للخدم والحاشية والحيوانات المدفونة في توابيت خشبية بسيطة لتصاحبها في رحلتها الأبدية، وهو طقس جنائزي اختفى تدريجياً بعد عهد الملك “قاع”.
وقال إنه رغم الجدل الأثري القديم الذي أثاره العالم “فيرنر كايزر” بافتراضه تبعية المنطقة للملك “دن”، إلا أن اكتشاف قارورة تزينها نقشة باسم الملكة، إلى جانب الحفريات المتلاحقة وتقارب التصميم المعماري مع مقبرة الملك “جر”، حسم الكفة لتؤكد أنها منطقة قبور ملكية خاصة بالملكة الاستثنائية “مريت نيث”.
المصدر: العربية


