القوات الإسرائيلية تتقدم عبر الليطاني إلى «زوطر» وسط الحديث عن هدنة إقليمية قريبة
عبرت قوات وآليات إسرائيلية نهر الليطاني، مطلع الأسبوع الجاري وتمركزت، الثلاثاء الماضي، على ضفته الشمالية في محيط قرى زوطر، حيث تواجه مقاومة مستمرة من مقاتلي حزب الله.
ويمثل هذا التقدم توسعًا «مكّلفًا» للعمق العملياتي الإسرائيلي داخل جنوب لبنان، تسعى إسرائيل من خلاله إلى فتح منفذ نحو تضاريس مواتية أكثر على الضفة الشمالية لليطاني، وفق ما قاله مسؤول عسكري متقاعد لـ«مدى مصر»، مضيفًا أن العملية تهدف أيضًا إلى ممارسة «ضغط ميداني لتحسين الشروط السياسية» مع وصول المفاوضات بشأن تسوية إقليمية بين الولايات المتحدة وإيران إلى مرحلة حرجة.
منذ أسابيع، تحاول القوات الإسرائيلية التقدم شمالًا باتجاه بلدتي زوطر الشرقية والغربية انطلاقًا من دير سريان، حيث تمركزت قواتها مطلع مايو الجاري، وتعرضت هناك لإطلاق نار متكرر عبر وادي الليطاني من جانب مقاتلي حزب الله.
وقال أحد سكان زوطر النازحين، على تواصل مع مصادر ميدانية داخل البلدة، لـ«مدى مصر» إن إسرائيل شنّت غارات جوية مكثفة قبل بدء التقدم البري، أعقبها تحرك نحو 18 آلية عسكرية بينها دبابات «ميركافا» عبر الطريق الأطول من دير سريان، لكونه مسارًا معبدًا ومستويًا نسبيًا يؤدي إلى أطراف زوطر، ما أتاح للقوات الإسرائيلية تفادي التضاريس الوعرة الواقعة في الغرب. وأضاف المصدر، «هم حاليًا متموضعون داخل الحي السكني المُطِل على النهر وعلى دير سريان والطيبة، يعني على أطراف زوطر».
وشن «حزب الله» بالفعل عدة هجمات استهدفت التوغل العسكري الإسرائيلي في زوطر. وقال الحزب، الثلاثاء الماضي، إنه استهدف قوات إسرائيلية متمركزة قرب مجرى النهر وعلى تخوم زوطر، وفي اليوم التالي، أعلن أن مقاتليه خاضوا اشتباكات مع القوات الإسرائيلية من «المسافة صفر» قرب مجمّع الكشفي في زوطر مستخدمين أسلحة خفيفة ومتوسطة، ما أجبر القوات الإسرائيلية على التراجع، قبل أن تشن إسرائيل لاحقًا قصفًا جويًا مكثفًا على المنطقة.
واليوم، أعلن الحزب استهداف مبنى تتموضع فيه قيادة سرية مدرعات إسرائيلية قرب الخزان في زوطر الشرقية بصاروخ ثقيل، كما قال إنه أطلق مُسيّرة انقضاضية من طراز «أبابيل» لاستهداف دبابة «ميركافا» قرب بركة البلدة، محققًا إصابة مؤكدة.
يرى العميد المتقاعد في الجيش اللبناني منير شحادة في حديثه لـ«مدى مصر» أن تركيز القوات الإسرائيلية على زوطر الشرقية وزوطر الغربية، وهما بلدتان تقعان في منطقة حساسة تربط عمليًا محور النبطية بالقطاع الأوسط من جنوب لبنان، يجب قراءته كمحاولة لفتح العمق الميداني باتجاه النبطية، أو لتفكيك وفصل محاور العمليات الأخرى شرقًا وغربًا على طول الجبهة الجنوبية.
وأضاف شحادة أنه من المنطقي أن يحاول الجيش الإسرائيلي تثبيت تقدمه عبر الدفع من زوطر باتجاه النبطية الفوقا أو التلال المحيطة التي تشرف على مدينة النبطية، نظرًا لأن هذه المرتفعات والطرق الحيوية يمكن أن تعزز قدراته النارية والاستخبارية.
غير أنه في ظل نيران حزب الله المتواصلة، فإن الحفاظ حتى على هذا التقدم وصولًا إلى زوطر سيكون مهمة صعبة ومكلفة، بحسب شحادة، الذي أضاف أن التفوق الجوي الإسرائيلي، على الرغم من كونه هائلًا، لا يكفي وحده لإطالة أمد الوجود البري في زوطر أو غيرها، إذ يتطلب ذلك قدرة على «التثبيت على الأرض، وتوفير خطوط إمداد آمنة، وامتلاك قدرة سياسية داخلية على تحمّل الخسائر»، مشيرًا إلى أن هذه الشروط صعبة التحقق في سياق جنوب لبنان.
وأوضح شحادة أن الدبابات وناقلات الجند المدرعة الإسرائيلية باتت أكثر عرضة للاستهداف مقارنة بالحروب السابقة، في ظل الاستخدام المتزايد للمسيرات من جانب «حزب الله»، ما يجعل هذا التقدم البري مكلّفًا على مستوى الخسائر البشرية، ويؤدي إلى استنزاف مستمر للمدرعات الثقيلة، إلى جانب الاعتماد المكثف على الذخائر الدقيقة والطائرات المُسيّرة وأنظمة الدفاع الجوي. «وكلما تقدمت القوات، أصبحت خطوطها الخلفية أطول وأكثر هشاشة»، وتتطلب إمدادات مستمرة من «الوقود والذخيرة، والاتصالات، وإخلاء الجرحى، وحماية طرق الإمداد»، بحسب العميد المتقاعد.
وبناءً على ذلك، يرى شحادة أن التقدم نحو زوطر بحد ذاته سيكون صعب الاستدامة، فيما سيكون الدفع أبعد باتجاه «الدخول إلى مدينة النبطية نفسها» أكثر تعقيدًا، نظرًا لكونها «بيئة مدينية واسعة وكثيفة، ومعقدة لوجستيًا وأمنيًا». مشيرًا إلى إن هذا التقدم يمكن وصفه بأنه «أقرب إلى محاولة ضغط واستنزاف بالنار والتوغلات المحدودة، أكثر منه محاولة للسيطرة المستقرة والمتماسكة على الأرض».
يأتي هذا التقدم البري في ظل تقارير عن تقدم في مسار التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران، ما عزّز الآمال بإمكانية التوصل إلى اتفاق إقليمي أوسع قد يتضمن إنهاء الحرب الإسرائيلية على لبنان. وكانت تقارير أشارت إلى أن المسؤولين الإيرانيين شددوا على ضرورة أن تشمل أي تسوية اتفاقًا بشأن لبنان، محذرين من أن أي تصعيد إسرائيلي في بيروت قد يعرقل المسار الدبلوماسي.
وربط شحادة التصعيد الإسرائيلي بالمفاوضات الجارية بين واشنطن وطهران، قائلًا إن إسرائيل تستخدم على الأرجح «الضغط الميداني لتحسين الشروط السياسية، ورفع كلفة النفوذ الإيراني في المنطقة، واختبار حدود ردود الأفعال».
وتوجه وفد عسكري لبناني إلى الولايات المتحدة، الثلاثاء الماضي، ومن المقرر أن يلتقي وفدًا عسكريًا إسرائيليًا غدًا في واشنطن، في أول محادثات مباشرة بين الجانبين، ومن المتوقع أن تتركز هذه المحادثات على تثبيت وقف إطلاق النار في لبنان، والمطالبة بانسحاب إسرائيل من الجنوب، والحصول على المعدات والتقنيات اللازمة لدعم انتشار الجيش اللبناني في الجنوب فور التوصل إلى هدنة.
لكن شحادة يشير إلى أن المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية ترتبط أساسًا بملفات الحدود والترتيبات الأمنية. أما المسار الاستراتيجي الأوسع، فيتصل بدرجة أكبر بالمحادثات بين الولايات المتحدة وإيران. مؤكدًا أن «الملفين مترابطان، لكن التأثير الأكبر، على الأرجح، للمفاوضات الأميركية-الإيرانية». وأضاف، «ليس من مصلحة إسرائيل أن تصل أميركا إلى اتفاق مع إيران»، معتبرًا أن العمليات البرية الإسرائيلية لا ينبغي فهمها بمعزل عن السياق الأوسع، بل باعتبارها جزءًا من معادلة إقليمية أشمل.
لكن العميد المتقاعد أشار إلى أن «التجربة التاريخية منذ اجتياح إسرائيل للبنان في الثمانينيات أظهرت أن السيطرة العسكرية لا تعني الاستقرار. وحتى لو تحقق تقدُّم واسع، فإن تحويله إلى واقع دائم يحتاج إلى كلفة بشرية وعسكرية وسياسية هائلة».
The post القوات الإسرائيلية تتقدم عبر الليطاني إلى «زوطر» وسط الحديث عن هدنة إقليمية قريبة first appeared on Mada Masr.
المصدر: مدى مصر (عربي)






