أوروبا وسؤال الهوية
رجوعملخص الخبر
- حذر بابا الفاتيكان ليو الرابع عشر المجتمعات الأوروبية من الانغلاق في النزعات الهوياتية الضيقة التي تروج لها الحركات الشعبوية اليمينية.
- أكد البابا أن أوروبا أبدعت فكرة الكونية الإنسانية في مقابل الانتماءات القبلية والعرقية والكونية.
- تواجه أوروبا حالياً أزمة هوية تتمثل في الانفصام بين الذاتية الفردية والكونية الإنسانية والنزعات الانكفائية الصاعدة.
- أشار الفيلسوف بيتر سلوتردايك إلى أن أوروبا تفتقر حالياً لمشروع سياسي ملهم وقدرة على إيجاد سردية تتناسب مع هويتها الجماعية.
ملخص كتبه الذكاء الاصطناعي من نص الخبر في مصدره.
خلال رحلته الأخيرة في فرنسا، حذّر بابا الفاتيكان ليو الرابع عشر المجتمعات الأوروبية من الانغلاق في النزعات الهوياتية الضيقة التي تدافع عنها الحركات الشعبوية اليمينية الصاعدة، مذكراً بأن أوروبا هي القارة التي أبدعت فكرةَ الكونية الإنسانية الحديثة في مقابل الانتماءات القبلية والعرقية والعقدية.
لا غبار على هذه الحقيقة، لكن أوروبا هي التي أبدعت في الوقت نفسه مقولة الذاتية في مقابل الهويات الجماعية العضوية، بما تعنيه هذه العبارة من تكريس لفكرة الهوية الفردية المستقلة من جهة، وبما تفضي إليه من اعتبارات الانتماء القومي السيادي الذي هو أساس الدولة الحديثة.
خصوصية الفكر الأوروبي الحديث تكمُن في كونه ربط معيارَ الذاتية الفردية بالانتماء الكوني، باعتبار أن المقصود بالذات هو الجانب المتعلّق بالنوع الإنساني في شموليته، كما أن الهوية القومية فُهمت في الفكر الأوروبي المعاصر باعتبارها تعبيراً عن الرابطة الكونية، وفق محددات ثقافية ومجتمعية خصوصية. وحتى في الحالة الألمانية التي ظهرت فيها القومية الثقافية واللغوية، فُهمت الخصوصيةُ القوميةُ من حيث هي روح الشعب المجسّدة للرابطة الكونية (هردر وهيغل.. إلخ).
ورغم أن البناء الاتحادي الأوروبي جديد ولم يكتمل بعد، فإن المشروع الاندماجي القاري ظهر مبكراً في القرن الثامن عشر، وفق ثلاث صيغ كبرى رسمها فلاسفة الأنوار: أوروبا من حيث هي رابطة ثقافية تنتشر فيها الأفكار العقلانية والآراء الحرة (ديدرو)، أو من حيث هي منظومة حضارية موحّدة، تتشكّل بحسب مبدأ التسامح السياسي والديني (فولتير)، أو من حيث هي مشروع فيدرالية من الدول التي تحكمها قوانين تضمن السلم الأزلي والتعاون الإنساني (روسو وكانط).
بيد أن القرن التاسع عشر الذي كان قرن القوميات أدى إلى مرحلة طويلة من الحروب والصراعات العسكرية، امتدت إلى النصف الثاني من القرن العشرين، قبل أن تتخلى القارة عن مبدأ القوميات السيادية، انسجاماً مع صيحة الرئيس الفرنسي الأسبق فرانسوا ميتران «القومية تعني الحرب».
في سنة 1935، وكانت أوروبا على وشك الدخول في الحرب العالمية الثانية، تساءل الفيلسوف الألماني أدموند هوسرل: «ما هي أوروبا؟» (عنوان محاضرته الشهيرة في فيينا)، مجيباً بالقول إن أوروبا لا يمكن أن تكون مجرد مجال جغرافي، بل هي «كيان روحي»، أي نمطٌ مِن رؤية العالم وشكل من البناء المؤسسي والحياة الثقافية والعلمية.لقد حذّر هوسرل من اختزال الهوية الأوروبية في المعاني العرقية الإثنية، مبيناً أن أصول هذه الهوية ترجع إلى فكرة الكونية العقلانية التي بلورتها الحضارة اليونانية، وأخذت في السابق شكل الفلسفة البرهانية، قبل أن تأخذ في العصور الحديثة شكل العلم التجريبي. إلا أن هوسرل لاحظ وقتَها أن الثقافةَ الأوروبية دخلت في أزمة عميقة، ربطها بطغيان منطق النفعية الاستغلالية والطبيعانية الموضوعية على اعتبارات القيم الإنسانية والعقلانية القصدية المفتوحة.
كان هوسرل يعبّر في محاضرته الشهيرة عن الأزمة الأولى العميقة التي عرفها المجال الأوروبي، بانتقاله من نموذج العقلانية التحررية إلى النزعة التقنية العنيفة، بما أفضت إليه من حروب طاحنة دمرت القارة.
ومن الجلي أن أوروبا تعيش حالياً أزمةَ هويتها الثانية، التي تختلف من حيث السياق والخلفيات عن الأزمة الأولى. ورغم الجرح الأوكراني النازف، لا تخشى أوروبا عودةَ شبح الحرب والفتنة الأهلية والتسلط السياسي، لكنها تمر بمأزق حقيقي يتمثّل في الانفصام غير المسبوق بين قطبي الذاتية الفردية والكونية الإنسانية، بما يتجسّد في النزعات الانكفائية الضيقة الصاعدة، التي تخلّت كلياً عن مبدأ الرابطة العقلانية البشرية، الذي هو الاكتشاف الأكبر لديناميكية التنوير الأوروبي.
وفي كتابه الأخير «قارة من دون ميزات»، يذهب الفيلسوفُ الألماني بيتر سلوتردايك إلى أن أوروبا لم تعُد قادرة على إبداع سردية تتناسب مع هويتها الجماعية، فرغم البناء الاندماجي المؤسسي القائم، لا تتوفر أوروبا على مشروع سياسي محرِّك ولا متخيَّل سياسي ملهم، ومن ثم شعور نخبها بانحطاط حضارتهم وميلهم لنفي تاريخهم. والتحدي الكبير الذي يواجه البناء الأوروبي، حسب سلوتردايك، هو كيف يمكن التفكير في وحدة القارة خارج النموذج الإمبراطوري الذي سمح في السابق، منذ العصر الروماني، في فرض اندماج العالم الأوروبي؟
وهكذا يكون النكوص إلى الهويات القومية الخصوصية مدفوعاً بالنزوع للخروج من المتخيل الإمبراطوري، مع إدراك مخاطر التفريط بالمكاسب الاندماجية الحالية.
لقد قال البابا ليو الرابع عشر صراحةً إن أوروبا من دون رسالتها الكونية تفقد ضميرَها المميز، ومن هنا يأتي المأزق المتنامي لخطاب الهوية الضيقة المهيمن راهناً على الطبقة السياسية.
*أكاديمي موريتاني
نقلاً عن “الاتحاد”
المصدر: العربية – سياسة