اقتصادنا على ظهر سيزيف.. صعود شاق وهبوط متكرر
رجوعملخص الخبر
- يعاني الاقتصاد المصري منذ قرنين من حالة الحراك دون اختراق وتكرار دورات الصعود والهبوط.
- تعزى أسباب تعثر التنمية إلى عيوب ذاتية كفساد الإدارة والسياسة، وضغوط خارجية وتنافس دولي حاد.
- يحلل كتاب الخبير أحمد النجار أسباب عدم استدامة النمو الاقتصادي منذ عهد محمد علي حتى مبارك.
- يهدف الكتاب لتشخيص المعوقات التاريخية وتوفير قاعدة بيانات للبحث عن حلول تنقل البلاد نحو التمكين والرفاه.
ملخص كتبه الذكاء الاصطناعي من نص الخبر في مصدره.
على مدار قرنين من الزمن لم يفارق الاقتصاد المصري معادلة السير في المسافة نفسها أو “الجري في المحل”، إذ يتحرك في انتعاش، مدفوعًا بطموح إلى التحقق والرسوخ الذي يعزز قدرة الدولة والمجتمع على بلوغ الكفاية والمنعة، ثم لا يلبث أن يترنح تحت ضربات الاستبداد السياسي والفساد وسوء الإدارة كعيوب ذاتية مزمنة، أو ضربات التطويق والإزاحة من الخارج، التي تصل أحيانًا حد التآمر والعدوان والاحتلال، وإن شئنا تهذيبها قلنا التنافس الحاد بين الأمم، الذي يريد لمصر أن تظل مجتمعًا للاستهلاك، بوصفها سوقًا كبرى، أو تمضي منحنية الظهر في الزمن، فلا تزحف على بطنها، ولا يستقيم عودها، وتمشي واثقة الخطى.
إنها الدائرة الجهنمية التي صنعت الأدبيات المصرية لها مجازًا اسمه “عنق الزجاجة”، و”قدر الانحناء”، ويراها المختصون في الاقتصاد والتنمية على أنها عدم إتمام مراحل التحديث، لتقف في أعلى مراحلها على عتبة التطور الملموس، دون أن تفارقه إلى الإنطلاق، وصولًا إلى التمكن المستمر، الذي ينقل البلاد من العوز إلى الرفاه، أو على الأقل الستر، ومن التعثر إلى الاقتدار، ومن التخلف إلى التقدم، ومن الندرة إلى الوفرة، ومن التبعية إلى الاستقلال، ليصبح في خاتمة المطاف صانعًا لنموذج ملهم ومؤثر في الإقليم والعالم النامي على وجه العموم.
قد تكون هذه هي النتيجة التي ننتهي إليها من مطالعة كتاب الخبير الاقتصادي المرموق الأستاذ أحمد النجار “الاقتصاد المصري من محمد علي إلى مبارك.. قرنان من الحراك بلا اختراق”، وهو أمر لم يخف على مؤلفه، حيث يقول “من يتأمل حركة الاقتصاد المصري في العصر الحديث بعهديه الملكي والجمهوري، سيجد أن هذا الاقتصاد يبدو وكأنه سيزيف الذي يحمل الصخرة إلى قمة التل، لتنحدر به مرة أخرى إلى القاع، ليبدأ من جديد، في دورة جهنمية من الحراك بلا اختراق على مدار قرنين من الزمن”.
ولم يرد الكاتب من مؤلفه هذا، الصادر عن “مركز الحضارة العربية للتنمية الثقافية” بالقاهرة، أن يجعل اليأس يدب في نفوسنا، أو يصنع سردية من الندم واللوم والتوبيخ، للسلطة السياسية أو المجتمع، أو هجاء الظروف، إنما يضعنا في صورة ما جرى كي نفهم ونعتبر، وهنا يقول في مفتتح الكتاب: “هذه كلمتي وخلاصة عملي البحثي عبر سنوات طويلة عن التاريخ الاقتصاد الحديث لمصر، بكل الإنجازات والإحباطات والمسارت التي أصابت أو خابت، والخبرات التي تراكمت كرصيد موجه وهادي لأي برنامج حقيقي للتطور والانطلاق الاقتصادي”.
إذن الهدف هو تشخيص العيوب والمثالب والمتاعب التي حالت دون الإنطلاق والتمكن، توطئة للبحث عن علاج، أو الوقوف على مخرج ينقل بلادنا إلى درجات أعلى من مجرد الاكتفاء بالنمو بلا تنمية، والنهوض المؤقت والعابر بلا اندفاع إلى الأمام، عبر توظيف الإمكانيات البشرية، والموارد الطبيعية، والخبرات الإدارية، وإدراك التفاعل الخلاق بين السياسة والاقتصاد، وجعل القانون والثقافة والموروث الحضاري المصري الممتد في الزمان والمكان، رافعة للتطور المادي.
ومن يطالع الكتاب بإمعان يقف على الأسباب العامة التي جعلت الاقتصاد المصري محمولًا طوال الوقت على ظهر سيزيف، بعضها داخلي والآخر خارجي، وما بينهما من تبادل وتفاعل، وكانت حاضرة دون انقطاع، فإن غابت سنوات جاءت “سنينا”، دون اختلاف الأمر إن كان الاقتصاد في قبضة الدولة، أو بالأحرى السلطة السياسية، مثل أيام محمد علي وعبد الناصر، أو كان يشهد وجودًا لرأس المال الخاص مثلما جاء في النصف الثاني من القرن التاسع عشر أو خلال فترتي حكم السادات ومبارك.
وبينما كان مشروع محمد علي يفتقد إلى العمق الشعبي أو الاجتماعي، بل يتعامل مع الشعب باعتباره مجرد أحد عناصر الإنتاج الرخيصة عبر “نظام السخرة”، افتقد مشروع عبد الناصر إلى المؤسسية الناجزة أو الناجعة، التي تحافظ على استمراره بعد رحيل صاحبه.
هذا الافتقاد الشعبي لدى الباشا الكبير، لم يوسع دائرة الاستفادة من إنجازاته في مشروعات البنية التحتية والتصنيع والتوسع في الزراعة إثر بناء شبكة ري متينة وزراعة محاصيل التصدير مثل القطن، فيما لم يرسخ عبد الناصر مؤسسات تحمي انحيازه للطبقة العريضة، إنما ترك صلاحيات مطلقة لمن اختاره بنفسه، وتولى الحكم بعده، فأجهز على المسار في ضربة واحدة.
ولم يخل الاقتصاد المصري طوال تاريخه من وجود فساد حال دون انطلاقه، فمن تراكم الثروات في يد قلة، أغدقت عليها السلطة السياسية بالهبات من الأرض الرزاعية في تطوير لنظام الالتزام الذي رزحت تحته مصر قرنين من الزمن، إلى سيطرة البيروقراطية الموالية للسلطة على الشركات والمشروعات المؤممة والجديدة المنشأة في عهد عبد الناصر، وصولًا إلى غض النظر عن النهب والسرقة مع الانفتاح الذي تحول إلى “السداح مداح”، وفق تعبير الكاتب الكبير أحمد بهاء الدين في عهد السادات، إلى “رأسمالية المحاسيب” حسب الاصطلاح الذي صكه المفكر الاقتصادي محمود عبد الفضيل في عهد مبارك.
ولم توجد في مصر خلال مائتي عام من محمد علي إلى الآن، طبقة رأسمالية وطنية عريضة وقوية، وإن كان بعض الخواجات قد أطلقوا صناعات عدة.
فأصحاب الأموال الطائلة ظلوا مجموعة من الإقطاعيين في زمن محمد علي وبعده حتى ثورة 1919 التي انطلقت بعدها مبادرات لبناء هذه الرأسمالية، لا سيما مع مبادرة وأفكار وأعمال طلعت باشا حرب، لكن هذا المسار لم تكتب له الاستدامة، فبعد عقود من هذا قام ضباط يوليو 1952 بتأميم هذه الصناعات، والإضافة إليها أخرى تحت سلطان الدولة، لينتهي هذا الطريق إلى بدء التصفية في عهد مبارك، فيما ظهرت رأسمالية أطلقت عليها في مقال لي قبل ثورة يناير 2011 بأنها “رقص مالية”، وأن القائمين عليها ليسوا رجال أعمال، إنما رجال أموال، حازوا ثروات طائلة من الفرص التي أتاحتها لهم السلطة من الباب الخلفي على حساب الصالح العام، وسمسرة العقارات، وأنشطة السوق السوداء، والتجارة غير المشروعة، والقيام بدور وكلاء الشركات متعددة الجنسيات.
ومما عوق اقتصادنا عبر قرنين أن القائمين على نهضته، أو من انشغلوا بتعزيز وجوده، قد فصلوه عن أدائهم السياسي، وكأن النمو لعبة أرقام، والتنمية معادلة مجردة مُبعدة عن المجتمع وشؤونه وشجونه، فبعضهم ربط النهوض المادي بمجده الشخصي، مهما كانت قسوة هذا على الناس، فمحمد علي كان مشغولا ببناء إمبراطورية هو سيدها، فلم يعتن كثيرا بما في جيوب الأغلبية الكاسحة من الشعب وبطونها، ولم يعتن بتعليم سوى القلة التي ترفد مشروعاته بالموظفين.
والخديوي إسماعيل جذبه المظهر على حساب المخبر، فجاء التشييد على حساب ما تطلبه حياة الناس من غذاء ودواء وكساء وإيواء وتعليم وترويح.
هذه اليد القابضة على الاقتصاد من أعلى، وتسيير دفته في اتجاه طموح الحاكم وطمعه أو رغباته الدفينة، التي لم يهتم بما إذا كانت هي رغبة الناس من عدمه، استمرت حتى انتهت الملكية وبدأت الجمهورية، فرأينا جمال عبد الناصر، ومع اهتمامه بالعدل الاجتماعي، وتوسيع التعليم، وصناعة طبقة وسطى عريضة، ينحاز بكل كيانه إلى تصور يرى أن التنمية يمكن أن تتعافى وتدوم مع الانفراد بالقرار، وممارسة القمع والقهر للمختلفين مع مسلكه، واستمراء استمالات متراوحة بين التخويف والتدجين، وعدم إعطاء الملكية الخاصة، لاسيما إن كانت عائدة إلى الجهد والذكاء، ما تستحقه من احترام، وإهمال دور الحافز الفردي في التعافي المادي العام، والحرص والإصرار على النجاح.
إن استمرار الاستبداد السياسي جعل التنمية مرهونة بإرادة فرد، هو الحاكم، والصلاحيات المطلقة التي ورثها من جاء بعده، جعلته يغير اتجاه الاقتصاد وبنيته كما يحلو له، في عبث ظاهر، خلق انقطاعات في المسيرة الاقتصادية.
ولم يفطن أحد، أو ربما فطن لكنه لم يهتم، إلى التلازم بين الديمقراطية والتنمية المستدامة، والمشروطية بين انتفاء الاحتكار أو انخفاض درجته وبين إطلاق قوى المجتمع الفاعلة لتعمل وتبني وتتقدم.
وبذا كان الاستبداد هو دومًا البذرة الشريرة التي استشرت مع الأيام فأعاقت النهضة الاقتصادية.
وهناك بالطبع العامل الخارجى الذي يمتد من الاحتيال إلى الاحتلال، فقد نُصب فخ الديون للخديوي إسماعيل فاستفحلت وصارت أكبر من قدرة مصر على السداد، فجاءت الوصاية الأجنبية، ثم الاحتلال الإنجليزي، الذي نهب مقدرات مصر، وهو إن كان قد أقام مشروعات كبرى مثل السكة الحديدية فإن هذا كان لخدمته.
كما تكرر العدوان على مصر بدءًا بالتآمر والتحالف الدولي ضد مشروع محمد علي، حتى انحسر واقتصر على مساحة مصر التي نعرفها الآن بعد أن كانت إمبراطورية تمتد من بحيرة فيكتوريا إلى جبال الأناضول، وانتهاء بحروبنا المتكررة في 1948 و1956 و1967 و1973، وجميعها أنهكت اقتصادنا، وعوقت التنمية لحساب دعم المجهود الحربي، فلما جاء “السلام” جاءت معه التبعية لتزيح زمنًا من محاولات بناء “تنمية مستقلة” أو “ذاتية”.
ينتهي هذا الكتاب المهم جدًا عند ثورة يناير 2011، فيفتح باب السؤال: هل ما بعدها قد جاء مختلفًا عما كان قبلها عبر قرنين؟
إن الإجابة التي تأتي للوهلة الأولى هي: لا، فالانفصام بين الديمقراطية والتنمية قائم بقوة الآن، وإدراك التلازم بين السياسي والاقتصادي شبه منعدم، واحتكار مقدرات الاقتصاد أتى في صيغة محدثة ظاهريًا لتلك التي كانت أيام محمد علي، والملكيات الخاصة مهددة، والتأميم أخذ مسميات أخرى ولا يتم غالبًا لصالح عموم الشعب، والديون استفحلت فجاء الاضطرار إلى بيع الأصول، والقطاع الخاص محاصر، فيما لم تولد بعد طبقة رأسمالية حقيقية.
في الوقت نفسه فإن النظرة إلى التعليم عادت لرؤية منحازة لتعليم القلة، والتعامل معه على أنه مجرد وسيلة لإخراج موظفين للدولة، بل هناك خشية من اتساع رقعته، خوفًا من تعميق الوعي بالحقوق والمطاللبة بها.
كما أن معاناة المصريين تزيد مع التضخم والغلاء والبطالة وتراجع إنفاق الدولة على الخدمات أو تقديم الدعم، وكل هذا يعني أن الاختراق لم يتحقق، وأن اقتصادنا لا يزال محصورًا في دائرة جهنمية، ومحمولًا على ظهر سيزيف إلى جانب صخرته الثقيلة القاسية.
<p>The post اقتصادنا على ظهر سيزيف.. صعود شاق وهبوط متكرر first appeared on masr360.</p>
المصدر: مصر 360