من يقف وراء الاحتجاجات الفرنسية؟
رجوعملخص الخبر
- تجري تحقيقات حول هوية الجهات الداعمة للاحتجاجات العنيفة في فرنسا والتي ترفض الكشف عن نفسها حالياً.
- تُظهر التحليلات وجود تحالف استراتيجي يسمى المحور الأحمر الأخضر يجمع بين اليسار المتطرف والقوى الإسلاموية.
- تستهدف هذه التحركات إضعاف الدولة الفرنسية وتعديل ميزان القوى السياسي قبل الانتخابات الرئاسية المقبلة.
- تتلقى هذه التحالفات دعماً من أطراف دولية وإقليمية، أبرزها الحرس الثوري الإيراني وشبكة جماعة الإخوان المسلمين.
ملخص كتبه الذكاء الاصطناعي من نص الخبر في مصدره.
منذ اندلاع الاحتجاجات في فرنسا قبل أسبوعين، يجري التحقيق في هوية أبرز الداعمين للمسيرات العنيفة، لكن لم تعلن نتائج واضحة حتى الآن. ويعزى ذلك أساساً إلى أن القوى التي تقف وراء احتجاجات بهذا الحجم لا تريد تحمل المسؤولية عنها في الوقت الراهن، في الأقل قبل تحقيق أهدافها أو حدوث تغيير واسع النطاق. ولا يغير من ذلك ما إذا كان “المنظمون” جهة واحدة تسعى إلى تحقيق النتائج نفسها، أو جهات عدة، أو حتى ما إذا كانوا متحدين في ما بينهم.
ومع ذلك، فمن الواضح أن الحركة تحظى بدعم ملحوظ من الأوساط المتشددة داخل فرنسا، وإن لم يكن هذا الدعم شعبياً بالضرورة، أو منعكساً في كتلة تصويتية داخل الجمعية الوطنية. لكن وجود آلاف مثيري الشغب والمقاتلين في الشوارع، الذين يشاركون في أعمال عنف بالعاصمة الفرنسية والمدن الكبرى، من ليون إلى مرسيليا، ويحولون دون تمكن قوات الشرطة من السيطرة على هذه المناطق، هو حقيقة لا يمكن لأحد إنكارها.
أولاً، يبلغ عدد المشاركين عشرات الآلاف، وهو ما يترك أثراً كبيراً في السياسة الفرنسية ولا يمكن تجاهله. وما حدث هو ظاهرة أخرى تتجلى في الشعارات واللافتات وأساليب الاشتباك مع الوحدات الأمنية. ويمكن للمرء أن يلاحظ بوضوح وجود “كوادر” تقود التحركات وتوجه الاحتجاجات، وتختار الأهداف الحضرية، وتصوغ الرسائل المنشورة على وسائل التواصل الاجتماعي.
وقد زعم أنصار “الحركة” في البداية أن الأمر يتعلق باحتجاج اجتماعي وتربوي يهدف إلى تحسين أوضاع المدارس والتعليم في فرنسا، لكن سلوك المحتجين لم يكن متوافقاً مع الاحتجاجات المدرسية المعتادة، إذ اقتحم آلاف المتشددين مباني البلديات، وأحرقوا الكنائس، واجتاحوا الأماكن العامة، واستولوا على رموز وطنية، واشتبكوا مع الشرطة بعيداً من مدارسهم، وشهدت باريس ومدن أخرى عمليات تدمير ممنهجة للمحال التجارية والمشروعات الصغيرة.
وبالنسبة إلى الفرنسيين العاديين لم يكن هذا الدمار إصلاحاً تعليمياً، بل أعمال شغب منظمة تسعى إلى تدمير الاقتصاد الفرنسي وتعزيز نفوذ المتطرفين في فرنسا، قبيل الانتخابات الرئاسية المقررة في العام المقبل، أما خبراء الجغرافيا السياسية والسياسة الحضرية فيرون أن ما حدث لا يقل عن كونه “انتفاضة” ضد الدولة الفرنسية بأكملها.
من هي القوى الموجودة فعلياً في الشوارع؟
يبقى السؤال الأول: من القوى التي كانت موجودة بالفعل على الأرض خلال أعمال العنف في المدن؟
من خلال استطلاع أوضاع الناشطين والمشاركين في الميدان، يمكن ملاحظة وجود كتلتين كبيرتين: الأولى هي اليسار الفرنسي المتطرف، الذي يضم تنظيمات شيوعية وفوضويين وشبكات مرتبطة بالتيارات المعروفة باسم “ووك” (Woke)، ويبدو أنه يتولى قيادة الحركة، أما الثانية فتتكون من قوى إسلاموية، معظمها مرتبط بجماعة الإخوان المسلمين، وبدرجة أقل جماعات مؤيدة للخمينية.
وقد شارك المعسكر الأول بصورة علنية وفاعلة، ولا سيما استناداً إلى تصريحات ميلانشون، الأمين العام للحزب الشيوعي، وكذلك النائب رافاييل أرنو، رئيس حركة “أنتيفا فرنسا”، ويشمل هذا المحور أيضاً امتدادات مرتبطة ب”ثورة الطلاب” في مايو (أيار) 1968.
وبعد نهاية الحرب الباردة، واصلت قوى اليسار معارضة الحكومات الفرنسية المتعاقبة، بما فيها الحكومات المحافظة والوسطية والاشتراكية الديمقراطية. لكن مع انهيار الاتحاد السوفياتي، بدأت الشبكات الدولية للأحزاب الشيوعية والفصائل اليسارية الراديكالية الأخرى البحث عن رعاة ومصادر تمويل.
وبحلول أواخر تسعينيات القرن الماضي انجذبت أوساط من اليسار المتطرف الغربي، بما فيها أوساط في فرنسا، إلى الجمهورية الإسلامية الإيرانية باعتبارها قوة “تحارب الإمبريالية”. ومنذ ذلك الحين شهدت العلاقة بين التيار العام لليسار الفرنسي والجمهورية الإسلامية تقارباً وثيقاً، شمل، بحسب متخصصين، دعماً مالياً.
وفي المقابل، أقام اليساريون الفرنسيون وشبكات جماعة الإخوان المسلمين علاقات متينة، ووجهوا نشاطهم ضد المحافظين وما اعتبروه “نفوذاً إسرائيلياً”.
وباختصار، أدت مجموعة من المصالح المشتركة إلى تنسيق الحملات بين الحركات اليسارية والإسلاموية في فرنسا، ففي البداية، سعى اليسار، الذي كان يفقد شعبيته لدى الناخبين الفرنسيين، إلى توسيع قاعدته من خلال جمع حركة “الووك” والإسلامويين تحت مظلة واحدة.
وكما يوصف الأمر في الولايات المتحدة والغرب، حل ما يعرف ب”المحور الأحمر الأخضر” استراتيجياً محل المعسكر القديم الذي كان يقوده الاشتراكيون. ولم يعد الحزب الاشتراكي الفرنسي، الذي كان يتمتع بنفوذ كبير في السابق، بالقوة ذاتها، إذ انتقل أنصار البيئة والفصائل الراديكالية تدريجاً إلى هذا المحور الجديد، الذي يجمع الشيوعيين وأنصار تيار “الويك” والإسلامويين، سواء المنتمين إلى جماعة الإخوان المسلمين أو المؤيدين للخمينية.
ويتمثل الهدف الأشمل لهذه القوى، وفقاً لهذا التحليل، في إسقاط النظام في نهاية المطاف، بدءاً بإضعاف الجمهورية إلى حد يسمح بظهور جيوب ثورية محلية في العاصمة والأقاليم.
والهدف؟ الاستعداد لمقاومة فوز محتمل لمارين لوبن، زعيمة حزب “التجمع الوطني”، في الانتخابات الرئاسية المقبلة. ويرى هذا التحليل أن المحور الأحمر الأخضر يدرك أن لوبن لا تواجه منافسة حقيقية على الوصول إلى الرئاسة في قصر الإليزيه.
ويرى بعض المحللين أن “الانتفاضة الفرنسية” تهدف إلى تعديل ميزان القوى السياسي، تمهيداً لوصول السلطة “القومية الفرنسية” المقبلة.
الأبعاد الخارجية للصراع
لكن تحليلات أخرى تضيف بعداً ينبغي تقييمه، ويتعلق بمصالح خارجية تسعى إلى إضعاف فرنسا في الخارج من خلال هذا “المحور”.
في البداية، طرحت ادعاءات بأن روسيا تعمل على تحريك شبكاتها داخل فرنسا لإثارة الفوضى، بهدف إضعاف جهود الرئيس إيمانويل ماكرون الرامية إلى تقديم الدعم العسكري لأوكرانيا. وتذهب هذه النظرية إلى أن موسكو لديها مصلحة في انهيار المؤسسات الفرنسية أو شلها، بما يؤدي إلى إخراج فرنسا من الجهود الأوروبية الحربية ضد روسيا في أوكرانيا.
لكن روسيا لا تتمتع اليوم بالنفوذ نفسه الذي كان للاتحاد السوفياتي داخل اليسار، فروسيا المعاصرة دولة قومية وليست دولة ماركسية لينينية، ولديها نفوذ استخباراتي في فرنسا، لكنه لا يعني بالضرورة امتلاكها سيطرة شعبية هناك.
ووفقاً لهذا التحليل، فإن العلاقات الدولية لليسار الفرنسي المتطرف لا تدار من الكرملين، بل من الحرس الثوري الإيراني.
أما “الإسلامويون العالميون” الموجودون في فرنسا، فيقال إنهم يرتبطون بوضوح بمركزين استراتيجيين على مستوى العالم: أحدهما داخل الجمهورية الإسلامية الإيرانية، والآخر ضمن شبكة جماعة الإخوان المسلمين الدولية.
وينبغي أيضاً أن نأخذ في الحسبان أن بعض الأطراف الإقليمية والدولية تتطلع إلى الحلول محل فرنسا في أفريقيا. ولذلك، فإن نشر الفوضى داخل فرنسا قد يشكل إستراتيجية مثالية للضغط على باريس ودفعها إلى الانسحاب من البلدان الأفريقية.
من يتصدر المشهد في الشوارع؟
في الوقت الراهن، يتصدر اليساريون وأنصار تيار “الووك” التحركات الميدانية في فرنسا، بينما تتمركز القوى الإسلاموية في الخلفية، وتتولى قيادة الهجمات عندما تصبح العمليات في الشوارع أكثر تعقيداً، وفقاً لهذا الطرح.
ويبقى سؤال آخر: لماذا يسمح اليسار وأنصار تيار “الووك” بظهور “العلم الفلسطيني” في مختلف أنحاء هذه “الانتفاضة”، بل أحياناً بصورة أكثر بروزاً من الرايات الشيوعية الحمراء؟
والسبب، بحسب هذا التحليل، هو أن اليسار اختار العلم الفلسطيني نظراً إلى بعده الدولي، بعدما أصبح على مدى أعوام لا يرمز فقط إلى “القضية الوطنية” التي نشأت حول غزة والضفة الغربية، بل جرى توظيفه أيضاً لتمثيل قضية دولية مرتبطة بالتيار التقدمي.
ومع ذلك، فإن تطورات الصراعات في المنطقة أدت إلى طرح ملفات أكثر من أي وقت مضى، تشمل اليمن والعراق و”حزب الله” وسوريا، فضلاً عن الأوضاع الداخلية في إيران.
أصبحت فرنسا الآن عرضة لتأثير جميع الجهات الفاعلة المذكورة أعلاه، إلى أن يطالب سكانها الدولة باتخاذ إجراءات حاسمة، قد تصل إلى نشر الجيش الفرنسي.
ويحاول الرئيس الفرنسي الحالي تجنب اللجوء إلى هذا الخيار، فيما تأمل حكومته في التوصل إلى تسويات عبر المفاوضات.
نقلاً عن إندبندنت عربية
المصدر: العربية – سياسة