النفايات تحاصر المدن.. أزمة بيئية تتفاقم بسبب ضعف التمويل !
بغداد / تبارك عبد المجيد
لم تعد تلال النفايات في المدن العراقية مجرد مشهد عابر أو مظهر غير حضاري يمكن التغاضي عنه، انما تحولت في الآونة الأخيرة إلى أزمة بيئية وصحية متفاقمة تهدد جودة الحياة والصحة العامة، حتى في مناطق كانت تصنف سابقا على أنها “مدن خدمية” تمتاز بالتنظيم وارتفاع أسعار عقاراتها وتوافر البنى التحتية والرقابة البلدية المستمرة.
ويقول الاستشاري محمد خضر الجبوري، الخبير البيئي والمناخي، إن مشكلة النفايات في العديد من المدن العراقية لم تعد تقتصر على كونها مخلفات يومية، بل تحولت إلى أزمة بيئية وصحية متفاقمة تهدد جودة الحياة والصحة العامة.
وأوضح الجبوري لـ”المدى”، أن الأزمة تتمثل في جانبين مترابطين؛ الأول هو التراكم العشوائي للنفايات داخل الأحياء السكنية والأزقة، والثاني يتمثل بغياب الحلول المستدامة، وفي مقدمتها مشاريع إعادة التدوير.
وأضاف أن انتشار النفايات يعود إلى مجموعة من الأسباب المتداخلة، أبرزها ضعف الخدمات البلدية، ونقص التمويل، وتهالك معدات جمع النفايات، وعدم انتظام حملات التنظيف، ما يؤدي إلى امتلاء الحاويات وتكدس المخلفات في الأماكن العامة.
وأشار إلى أن ضعف الوعي البيئي لدى بعض المواطنين يسهم أيضا في تفاقم المشكلة، نتيجة غياب ثقافة فرز النفايات من المصدر والتخلص منها بطرق صحيحة، الأمر الذي يحول بعض المناطق السكنية إلى بؤر للتلوث البيئي ومصادر لانتشار الحشرات والقوارض والأمراض.
وبيّن الجبوري أن معامل إعادة التدوير، التي ينظر إليها كثيرون باعتبارها الحل الأمثل للأزمة، ما تزال تواجه تحديات كبيرة تحول دون انتشارها، من بينها ارتفاع كلفة الإنشاء والتشغيل، والحاجة إلى خطوط إنتاج متطورة وتوفير طاقة كهربائية مستقرة، فضلا عن غياب الحوافز الحكومية والقروض الميسرة والتسهيلات القانونية والجمركية التي تشجع المستثمرين على الدخول في هذا القطاع.
وأضاف أن غياب ثقافة فرز النفايات يشكل عائقا إضافيا أمام نجاح مشاريع التدوير، إذ تحتاج المعامل إلى نفايات مصنفة بحسب النوع، مثل البلاستيك والزجاج والورق، بينما تصل إليها النفايات مختلطة بالمخلفات العضوية، ما يزيد من تكاليف الفرز ويقلل من الجدوى الاقتصادية للمشاريع.
وأكد أن ضعف تطبيق القوانين البيئية وغياب الخطط الاستراتيجية طويلة الأمد يدفعان الجهات المعنية إلى الاعتماد على الطمر العشوائي أو المكبات المفتوحة باعتبارها حلولا أقل كلفة على المدى القصير، رغم ما تسببه من أضرار بيئية وصحية كبيرة مستقبلا.
وشدد الجبوري على أن معالجة الأزمة تتطلب خطة متكاملة تبدأ بنشر ثقافة الفرز المنزلي وتطوير البنى التحتية الخاصة بإدارة النفايات، مرورا بتحسين خدمات الجمع والنقل، وصولا إلى تقديم حوافز حقيقية للقطاع الخاص للاستثمار في مشاريع إعادة التدوير، بما يسهم في الحد من التلوث وتحسين الواقع البيئي في المدن العراقية.
وأمام هذا التراجع الخدمي، يبرز أيضا دور غياب الوعي البيئي وثقافة الفرز من المصدر لدى بعض المواطنين، ما حول مناطق سكنية بأكملها إلى بؤر للتلوث البيئي ومكبات مفتوحة تعتمد على الطمر أو الحرق العشوائي.
ويرى الناشط البيئي من البصرة علي قاسم أن الحد من ظاهرة الحرق العشوائي للنفايات يتطلب إجراءات حكومية أكثر حزما، تبدأ بتفعيل القوانين والتعليمات التي تجرم هذه الممارسات وتفرض غرامات مالية على المخالفين، بما يسهم في الحد من الانتهاكات البيئية ويوفر موارد مالية يمكن توظيفها في دعم برامج حماية البيئة.
ويشير قاسم لـ”المدى”، إلى أن معالجة المشكلة تواجه تحديات مرتبطة بالترهل الإداري والفوضى التنظيمية داخل بعض المؤسسات الحكومية، الأمر الذي يحد من الاستفادة الفعلية من خبرات المختصين والناشطين البيئيين.
ويؤكد أن إيجاد حلول مستدامة يتطلب إشراك الخبراء والناشطين في جميع مراحل العمل، بدءا من تشخيص المشكلة واقتراح المعالجات وصولا إلى تنفيذها ومتابعتها، لأن الفصل بين من يضع الحلول ومن يطبقها غالبا ما يضعف النتائج ويقلل فرص النجاح.
وأضاف أن العديد من المقترحات التي يقدمها الناشطون والخبراء تعتمد على أفكار مبتكرة وغير تقليدية، يمكن أن تسهم في معالجة المشكلات البيئية بصورة أكثر فاعلية، إلا أنها تحتاج إلى إرادة مؤسساتية تتبناها وتعمل على تنفيذها.
وشدد قاسم على أن التوعية المجتمعية تمثل الخطوة الأولى والأساسية في مواجهة الحرق العشوائي، من خلال تكثيف الحملات الإعلامية والتثقيفية التي تسلط الضوء على الأضرار الصحية والبيئية الناجمة عن هذه الممارسات.
وأوضح أن رفع مستوى الوعي لدى المواطنين من شأنه أن يحول المطالب البيئية تدريجيا من نقاشات محصورة بين المختصين والناشطين إلى قضية رأي عام وضغط شعبي مستمر، بما يدفع الجهات المعنية وأصحاب القرار إلى اتخاذ إجراءات أكثر جدية لمنع تكرار عمليات الحرق العشوائي والحد من آثارها.
وتقول طبيبة مختصة تعمل في أحد المستشفيات الحكومية ببغداد، فضلت عدم ذكر اسمها، إن التخلص من النفايات الطبية داخل المستشفيات يعد إجراء طبيعيا ومعمولا به في جميع الأنظمة الصحية، لكنه يجب أن يتم عبر أجهزة مخصصة وبموجب معايير صارمة تحدد آليات الحرق والمعالجة، بما يضمن عدم تسرب أي ملوثات إلى البيئة المحيطة.
وتوضح لـ”المدى”، أن الإشكالية التي يشهدها الواقع الصحي في بعض المؤسسات لا تتعلق بوجود هذه العملية بحد ذاتها، وإنما بمدى الالتزام الفعلي بالضوابط والمعايير البيئية والصحية المفترض تطبيقها أثناء التخلص من النفايات الطبية، وهو ما قد ينعكس على شكل انبعاثات دخانية يلاحظها المواطنون في محيط المستشفيات.
وتشير إلى أن وزارة الصحة لا توفر الأجهزة وفق المعايير المطلوبة للتخلص من النفايات الطبية، كما أن بعض الأدوات الطبية يتم التخلص منها بطريقة خاطئة وبشكل يسبب ضررا كبيرا.
وتضيف أن ضعف التطبيق أو عدم الالتزام الكامل بالإجراءات التشغيلية في بعض الحالات يؤدي إلى بروز هذه الظاهرة داخل المدن، الأمر الذي يخلق انطباعا عاما بوجود حرق عشوائي، في حين أن جزءا من المشكلة يرتبط بغياب الرقابة الدقيقة أو تحديث أنظمة المعالجة بما يواكب حجم النفايات المتزايد.
وتؤكد أن معالجة هذا الملف تتطلب تشديد الرقابة وتحديث منظومات التخلص من النفايات الطبية داخل المستشفيات، بما يضمن تقليل الانبعاثات الضارة وحماية البيئة والسكان، مع تعزيز الشفافية في توضيح طبيعة هذه العمليات للرأي العام لتفادي الالتباس.
The post النفايات تحاصر المدن.. أزمة بيئية تتفاقم بسبب ضعف التمويل ! appeared first on جريدة المدى.
المصدر: المدى