مأزق النفط والديون يطارد حكومة الزيدي.. هل تبدأ مرحلة التقشف الإجباري؟
محمد العبيدي/ المدى
مع بقاء تداعيات الحرب على حالها واستمرار إغلاق مضيق هرمز، يواجه العراق واحداً من أكثر السيناريوهات الاقتصادية خطورة منذ سنوات، في وقت تتزايد فيه الضغوط على المالية العامة، وتتقلص خيارات الحكومة في مواجهة العجز المتنامي والإنفاق المتضخم.
وبينما تحاول حكومة رئيس الوزراء علي فالح الزيدي إطلاق حزمة إصلاحات اقتصادية واسعة، يرى مختصون أن الواقع المالي الحالي قد يدفع بغداد نحو مرحلة من التقشف وترشيد النفقات واللجوء إلى الاقتراض الخارجي لتأمين الالتزامات الأساسية للدولة.
مأزق النفط
ويأتي ذلك في ظل اقتصاد ما يزال يعتمد على النفط بأكثر من 90 بالمئة من إيراداته، فيما تتحدث تقديرات رسمية عن وصول الدين الداخلي إلى نحو 140 تريليون دينار، فضلاً عن ديون خارجية بمليارات الدولارات، الأمر الذي يضع الحكومة الجديدة أمام تحديات معقدة تتعلق بتأمين الرواتب وتمويل المشاريع والحفاظ على الاستقرار المالي في آن واحد.
وخلال الجلسة الأولى لمجلس الوزراء، طرح الزيدي رؤية اقتصادية تقوم على تنويع مصادر الدخل، والتحول الرقمي، ومكافحة الفساد، وتأسيس مجلس للاستقرار المالي، في محاولة للانتقال من الاقتصاد الريعي التقليدي إلى اقتصاد أكثر ارتباطاً بالإنتاج والاستثمار. غير أن هذه الأهداف الطموحة تصطدم بتركة مالية ثقيلة خلفتها سنوات من التوسع في الإنفاق التشغيلي والاعتماد شبه المطلق على العوائد النفطية.
ويرى مراقبون أن الاضطراب الطويل الأمد في أسواق الطاقة وضع المالية العامة أمام ضغوط غير مسبوقة، خاصة مع محدودية قدرة المصارف الحكومية على تمويل الإنفاق كما حدث خلال السنوات الماضية، وهو ما يفسر تصاعد الحديث عن خيارات التمويل الخارجي والقروض الدولية.
نحو إجراءات مؤلمة
بدوره، قال الخبير الاقتصادي عبد السلام حسين لـ(المدى) إن “العراق لا يواجه أزمة سيولة مؤقتة بقدر ما يواجه أزمة هيكل اقتصادي كامل تشكّل عبر سنوات طويلة من الاعتماد على النفط وتضخم القطاع العام”.
وأضاف أن “الحديث عن الإصلاح لا يكفي ما لم تترافق معه إجراءات مؤلمة تتعلق بإعادة هيكلة الإنفاق الحكومي ومراجعة آلاف الملفات المرتبطة بالهدر والفساد وضعف الجباية”، مبيناً أن “البلاد قد تجد نفسها مضطرة إلى تقليص الإنفاق الاستثماري وتأجيل العديد من المشاريع إذا استمرت الضغوط الحالية على المالية العامة”.
وأشار إلى أن “المشكلة الأساسية تكمن في أن الدولة تنفق بمعدلات مرتفعة بينما لا تمتلك اقتصاداً منتجاً قادراً على تعويض أي تراجع محتمل في الإيرادات النفطية”، لافتاً إلى أن “السنوات المقبلة قد تشهد إجراءات مالية أكثر تشدداً إذا لم تنجح الحكومة في معالجة الاختلالات البنيوية المتراكمة”.
ويعتقد مختصون أن جزءاً كبيراً من الأزمة الحالية يعود إلى تضخم الإنفاق التشغيلي الذي استحوذ خلال السنوات الماضية على الحصة الأكبر من الموازنات العامة، مقابل تراجع الإنفاق الاستثماري المنتج القادر على خلق فرص عمل وتنويع مصادر الدخل.
تشغيل وضع التقشف
من جهته، قال الباحث في الشؤون الاقتصادية والمالية ضرغام محمد لـ(المدى) إن “التقشف في النفقات أصبح حالة واقعية وليس خياراً حكومياً، خاصة بعد وصول أدوات التمويل الداخلي إلى مراحل متقدمة وصعوبة الاستمرار بالاقتراض المحلي كما كان يجري في السنوات السابقة”.
وأضاف أن “قرار التوجه نحو الاقتراض الخارجي جاء نتيجة الأزمة المالية غير المسبوقة التي تمر بها البلاد، وهو إجراء قد يكون ضرورياً لتجاوز المرحلة الحالية، لكنه لا يمثل حلاً دائماً للمشكلة”، مؤكداً أن “العراق يحتاج إلى مراجعة شاملة للسياسات الاقتصادية، وتوسيع قاعدة الإنتاج المحلي، وتقليل الاعتماد على النفط والاستيراد”.
وتتجه الأنظار إلى مصير الالتزامات المالية الكبرى للدولة، وفي مقدمتها رواتب أكثر من أربعة ملايين موظف، إلى جانب المتقاعدين ومستفيدي شبكة الرعاية الاجتماعية، وسط مخاوف من أن يؤدي استمرار الضغوط المالية وتراجع الإيرادات النفطية إلى تقليص الإنفاق على المشاريع والخدمات، وتوسيع دائرة الاعتماد على الاقتراض.
The post مأزق النفط والديون يطارد حكومة الزيدي.. هل تبدأ مرحلة التقشف الإجباري؟ appeared first on جريدة المدى.
المصدر: المدى