عن فرصتين ضائعتين لبنانياً وفلسطينياً
في المشهدين الحديثين اللبناني والفلسطيني وما يدور في داخلهما ويتفرع عنهما، يوجد تاريخان منسيان. تبدو الحاجة ملحة إلى التذكير بالتاريخين بين وقت وآخر وذلك كي يجري ضبط للأمور بعيداً من المزايدات وقلب الحقائق والهرب من الحقيقة والواقع وتفادي الاعتراف بمأساتين فريدتين من نوعهما. إنّهما فريدتان لسبب في غاية البساطة. يعود السبب إلى أنّه كان ممكنا تحويل المأساتين إلى فرصتين بدل أن تكونا قدراً فرضه المؤمنون بثقافة الموت على شعبين يستحقان العيش في ظروف كريمة.
يتعلّق التاريخ الأوّل بالانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان في 25 مايو 2000. كان انسحاباً كاملاً تنفيذاً لقرار مجلس الأمن الرقم 425 الصادر في 1978. أكّد ذلك المجلس نفسه الذي رفض سلفاً الرواية الرسميّة اللبنانيّة عن مزارع شبعا التي راح ينادي بها «حزب الله».
لم تكن تلك الرواية سوى كذبة كبيرة استهدفت تبرير بقاء سلاح «المقاومة». لم يكن لديه من هدف غير بقاء جنوب لبنان صندوق بريد بين إسرائيل من جهة و«الجمهوريّة الإسلاميّة» من جهة أخرى. حدث ذلك من دون سؤال، ولو عابر، عن مصير أهل الأرض. كان هؤلاء ومازالوا الغائب الأكبر في معادلة داخلية وإقليميّة. لا تفسير منطقياً، إلى اللحظة، لماذا حلّ ما حل بجنوب لبنان وأهله؟
أكدت الأحداث التي تلت الانسحاب الإسرائيلي أهمّية بقاء السلاح وليس التخلّص من الاحتلال. كان الدليل الإصرار على بقاء جبهة جنوب لبنان مفتوحة. خطفت مجموعة من «حزب الله»، بتعليمات مباشرة من بشّار الأسد، الذي أرادت إيران جعله يصدّق نفسه، بضعة جنود إسرائيليين. كان ذلك بعد أشهر قليلة من الانسحاب الإسرائيلي.
كان لبنان بين خيار إبقاء الجنوب ينزف وبين العمل من أجل إعادة بناء نفسه. كان الانسحاب الإسرائيلي فرصة لإيران كي تثبت مدى رسوخ نفوذها في لبنان. توسّع هذا النفوذ وترسّخ بعد العام 2005 بعد اغتيال رفيق الحريري. استتبع ذلك انسحاباً عسكرياً سورياً وخلو «الساحة» اللبنانية أمام «الحرس الثوري».
ما الذي بناه لبنان على الانسحاب الإسرائيلي؟ بنى عملياً الكارثة التي يعاني منها والتي جعلت مصير البلد كلّه في مهب الريح. الكلّ يتحدث عن الكارثة، لكن عدداً قليلاً من الناس يشير إلى الفشل اللبناني، الذي دفعت إيران في اتجاهه. دفعت إيران في منع الاستثمار المثمر في الانسحاب الإسرائيلي. كان في الإمكان تحويل الانسحاب إلى فرصة من أجل مستقبل أفضل للبلد ولأبنائه ولجنوبه خصوصاً… بدل أن يكون جسراً لعودة الاحتلال، وهو احتلال ليس معروفاً هل يزول يوماً. الأهمّ من ذلك كلّه أنّ حجم الخراب والدمار وما لحق بالقرى الجنوبيّة وعدد النازحين من أبنائها بات يفوق كلّ تصور.
أمّا التاريخ الآخر الذي يحتاج إلى تذكير دائم به، فهو تاريخ الانسحاب الإسرائيلي الكامل من غزّة في أغسطس 2005. الأكيد أن حسابات ارييل شارون، الذي كان همّه كيفية التخلص من القطاع من جهة وفرض السيطرة على الضفة الغربية، كانت وراء الخروج الإسرائيلي الكامل من غزّة. لكنّ الأكيد أن الجانب الفلسطيني ممثلاً بالسلطة الوطنيّة و«حماس»، عمل كلّ ما يستطيع من أجل تحويل الانسحاب الإسرائيلي إلى كارثة فلسطينية أخرى. يمكن في طبيعة الحال لوم السلطة الوطنية عندما اختار محمود عباس «أبومازن» البقاء خارج غزّة عندما انسحب الإسرائيلي منها بدل أن يكون على الأرض وبين أهل القطاع…
مع مرور الوقت، انتصر سلاح «حماس» على غزّة وأهلها. بدل أن يشكل الانسحاب، الذي حصل صيف 2005، فرصة لبناء نموذج مصغّر لدولة فلسطينية حضارية قابلة للحياة، كان الانسحاب فرصة لإسرائيل كي تقول أنّ «لا شريك فلسطينياً يمكن التفاوض معه».
لم يأتِ ما تعاني منه غزة اليوم من فراغ. إنّه نتيجة فعل مدروس مارسته «حماس» طوال ما يزيد على عقدين. ركزت الحركة على الاحتفاظ بسلاحها من أجل بناء «امارة إسلاميّة» على الطريقة الطالبانية (نسبة إلى طالبان). لم تكن إسرائيل تعترض على هذا التوجه. كذلك، لم تكن معارضة للصواريخ التي راحت «حماس» تطلقها من غزّة أو معترضة عليها. كان كلّ همّها محصوراً في تأكيد أنّ الفلسطينيين لا يستأهلون دولة ولا جدوى من التفاوض معهم من جهة وفي تعميق الانقسام الداخلي الفلسطيني من جهة أخرى.
في جنوب لبنان وبعد ذلك في غزّة، أدّى السلاح وظيفته في خدمة إسرائيل… إلى أن جاء «طوفان الإقصى». يوم السابع من أكتوبر 2023، انقلب السحر على الساحر. اكتشفت إسرائيل أنّه ليس في استطاعتها التعايش، بعد الآن، لا مع سلاح «حزب الله» ولا مع سلاح «حماس». السلاحان جزء من الماضي، بل ينتميان إلى عالم مختلف كان مستعداً لإيجاد كلّ أنواع التفاهمات مع إيران بنظامها القائم الذي مارس لعبة الابتزاز، بنجاح منقطع النظير، منذ لحظة قيامه في العام 1979.
كان الانسحابان الإسرائيليان من جنوب لبنان ومن غزّة فرصتين ضائعتين على اللبنانيين والفلسطينيين. أسّس الانسحاب من الجنوب للكارثة اللبنانية التي كان يمكن تفاديها، وأسس الانسحاب من غزّة لنكبة فلسطينية جديدة في وقت يبدو مطروحاً أكثر من أي وقت، في ضوء الحدث الإيراني، مستقبل المنطقة كلّها وكيفية إعادة تشكيلها.
توجد فرص تمرّ أمام الشعوب. ثمة من يحسن استغلال الفرص وثمة من لا يحسن ذلك. العيب في تفادي الاعتراف بأن الفرص كانت قائمة والتصرف كما لو أنّها لم توجد يوماً… علماً أنّها كانت حقيقة قائمة أكثر من اللزوم.
نقلاً عن الراي
المصدر: العربية – سياسة




