مخاوف رفع الفائدة تضع استثمارات الذكاء الاصطناعي تحت المجهر

بدأت طفرة الذكاء الاصطناعي تغير علاقة مستثمري التكنولوجيا بمجلس الاحتياطي الفيدرالي، بعدما أصبحت شركات التكنولوجيا الكبرى أكثر اعتمادا على الاقتراض لتمويل توسعها الضخم في مراكز البيانات.
وقال المدير الشريك في شركة VentureX يوسف حميد الدين إن الارتفاع المتوقع في الإنفاق على الذكاء الاصطناعي خلال السنوات المقبلة يضع شركات التكنولوجيا أمام تحديات جديدة، خصوصاً مع تحول جزء متزايد من التمويل من الاعتماد على رأس المال الاستثماري إلى الاقتراض والديون.
وأوضح حميد الدين، في مقابلة مع “العربية Business”، أن تقديرات الإنفاق على الذكاء الاصطناعي تشير إلى وصوله إلى نحو 600 أو 700 مليار دولار خلال عام 2026، مع توقعات بأن يتجاوز حاجز التريليون دولار بحلول عام 2027.
وأضاف أن شركات التكنولوجيا الكبرى تتجه بشكل متزايد إلى جمع التمويل عبر أدوات الدين، مشيراً إلى أن بعض الشركات، ومنها شركة سبيس إكس، تتجه إلى جمع 20 مليار دولار لدعم خططها التوسعية، في وقت تتصاعد فيه احتياجات الاستثمار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
وتأتي المخاوف بعد تزايد احتمال رفع أسعار الفائدة في 2026، ما أدى إلى ضغوط على الأسهم وارتفاع عوائد السندات الأميركية، حيث يتداول العائد على سندات الخزانة لأجل 10 سنوات قرب 4.45%.
الانتقال من رأس المال إلى الديون يغير قواعد اللعبة
وأشار حميد الدين إلى أن شركات التكنولوجيا كانت تعتمد تاريخياً على نموذج التمويل القائم على حقوق الملكية (Equity-Based Model)، حيث كانت الاستثمارات الرأسمالية تتحمل مخاطر تراجع الأداء أو تغير التوقعات المستقبلية.
إلا أن المشهد بدأ يتغير مع زيادة الاعتماد على الاقتراض، موضحاً أن الديون تفرض التزامات محددة على الشركات بغض النظر عن أدائها المالي أو الظروف التشغيلية، وهو ما يرفع مستوى المخاطر مقارنة بالنموذج السابق.
وأضاف أن هذه الديون أصبحت مرتبطة مباشرة بمستويات أسعار الفائدة، كما أن لها آجال استحقاق محددة تستوجب السداد، ما يزيد من الضغوط على الشركات في حال تباطأت وتيرة النمو أو تأخرت العوائد المتوقعة.
فجوة بين عمر القروض وعمر الأصول التقنية
ولفت حميد الدين إلى تحدٍ إضافي يتمثل في أن القروض قد تمتد آجالها إلى ثماني أو عشر سنوات، في حين أن الأصول التقنية والبنية التحتية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي تتعرض للتقادم السريع وقد يتم استهلاكها أو استبدالها خلال ثلاث أو أربع سنوات فقط.
وأوضح أن هذه الفجوة بين مدة التمويل والعمر الاقتصادي للأصول تمثل عاملاً إضافياً يجب أخذه في الاعتبار عند تقييم جدوى الاستثمارات الحالية.الربحية ما زالت السؤال الأكبر
وأكد أن تصاعد الاقتراض أعاد طرح التساؤلات الأساسية حول نموذج أعمال شركات الذكاء الاصطناعي وقدرتها على تحقيق أرباح مستدامة.
وقال إن الجميع بات يستخدم تطبيقات الذكاء الاصطناعي ويستفيد منها على المستويين الشخصي والمهني، إلا أن السؤال الأهم يتمثل في قدرة هذا القطاع على تحقيق أرباح كافية للشركات المطورة له، سواء كانت شركات خاصة مثل “أوبن إيه آي”و”أنثروبيك” أو شركات مدرجة مثل غوغل ومايكروسوفت وميتا.
وأضاف أن زيادة الاعتماد على الديون رفعت من حدة التساؤلات حول مدى قدرة هذه الشركات على تحويل النمو السريع في استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى عوائد مالية تبرر التقييمات المرتفعة والاستثمارات الضخمة.
الشركات الخاصة تركز على بناء المستقبل
وأشار حميد الدين إلى أن بعض الشركات غير المدرجة، مثل “أوين إيه آي” و”أنثروبيك”، لا تزال تركز على بناء تقنيات المستقبل وتوسيع نطاق الاستخدام، أكثر من تركيزها على تحقيق الأرباح في المرحلة الحالية.
وأوضح أن هذه الشركات تطرح رؤية تقوم على إحداث تحول جذري في طريقة عمل الأفراد والمؤسسات، وهو ما يجعل المستثمرين أكثر تقبلاً لتأجيل الربحية في الوقت الراهن.
التقييمات المرتفعة تواجه اختبار الواقع
في المقابل، أكد أن الشركات المدرجة في الأسواق المالية تخضع لمستوى أعلى من الرقابة والحوكمة، ما يجعل الفجوة بين التوقعات والتقييمات السوقية موضع متابعة مستمرة من المستثمرين.
وأضاف أن الأسواق بدأت بالفعل في إعادة تقييم بعض الشركات، مشيراً إلى أن أداء “سبيس إكس” شهد تراجعاً بنحو 30% خلال الفترة الأخيرة، وهو ما يعكس تزايد التساؤلات بشأن قدرة هذه الشركات على تحقيق العوائد التي تبرر مستويات التقييم الحالية.
وقال إن المرحلة المقبلة ستشهد اختباراً حقيقياً لقطاع الذكاء الاصطناعي، ليس من حيث التطور التقني فقط، بل من حيث قدرته على بناء نموذج أعمال مربح ومستدام يواكب حجم الاستثمارات غير المسبوق في هذا القطاع.
المصدر: العربية – اقتصاد


