وفاة آلان غرينسبان عن 100 عام.. “مايسترو” الفيدرالي بين أمجاد الأسواق وندم الأزمة المالية
أنهى آلان غرينسبان، الرئيس الأسبق للاحتياطي الفيدرالي الأميركي وأحد أكثر صناع السياسات تأثيراً في أواخر القرن العشرين، رحلة امتدت قرناً كاملاً، تاركاً وراءه إرثاً معقداً تأرجح بين تمجيد غير مسبوق وانتقادات حادة أعقبت الأزمة المالية العالمية.
فرض غرينسبان حضوره على الأسواق العالمية وصناعة القرار الاقتصادي لنحو عقدين، إذ حظي خلال فترة قيادته للفيدرالي بإجلال واسع في وول ستريت ودوائر السياسة ووسائل الإعلام، ليصبح اسماً نادراً في عالم البنوك المركزية المغلق، يجمع بين النفوذ والتأثير الجماهيري.
وبحلول سنواته الأخيرة في المنصب خلال منتصف العقد الأول من الألفية، جرى تقديمه كأعظم محافظ بنك مركزي في التاريخ، حتى إن السيناتور الجمهوري الراحل جون ماكين قال إن دوره بالغ الأهمية إلى درجة أنه لو توفي في منصبه “ينبغي إسناده وإبقاؤه قائماً في موقعه”.
لكن هذه الصورة سرعان ما اهتزت بعد مغادرته المنصب في 2006، إذ وجدت الولايات المتحدة نفسها بعد عامين فقط في قلب أزمة مالية عنيفة، لتتصاعد الاتهامات بأن سياساته النقدية ونهجه التنظيمي ساهما في تغذية واحدة من أخطر دورات الازدهار والانهيار في العصر الحديث، وفقاً لما ذكرته صحيفة “فاينانشال تايمز”.
تكونت شخصية غرينسبان على نحو استثنائي متعدد الأوجه. بدأ حياته المهنية عازفاً شاباً في فرقة جاز متنقلة، قبل أن يتحول إلى وول ستريت كمستشار اقتصادي، ثم إلى واشنطن حيث أصبح أحد المقربين من الرؤساء الجمهوريين، وصولاً إلى قمة هرم السياسة النقدية الأميركية. هناك، منحت لغته الغامضة وقدرته على إدارة الأزمات مكانة استثنائية، جعلته اسماً مألوفاً في المنازل الأميركية.
وعكست مسيرته تناقضات واضحة؛ فالصبي الانطوائي الذي انشغل بإحصاءات السكك الحديدية ونتائج البيسبول، بنى سمعته لاحقاً في عالم التحليل الإحصائي المعقد، مستقطباً شركات كبرى بفضل قدرته على الغوص في البيانات لاستخلاص مؤشرات الاقتصاد.
وفي الوقت نفسه، لم يخل من نزعة استعراضية، إذ كان يقود سيارات فارهة لافتة للنظر، وتربطه علاقات مع شخصيات إعلامية بارزة مثل باربرا والترز، قبل أن يتزوج الصحفية أندريا ميتشل في 1997.
تغيرت قناعاته الاقتصادية جذرياً عبر العقود. فبينما كان في شبابه من أنصار الذهب ومنتقدي طباعة النقود، لم يتردد لاحقاً في استخدام أدوات التدخل النقدي بشكل واسع عندما ترأس الفيدرالي، ليكسب لقب “المايسترو” في كتاب للصحفي بوب وودوارد عام 2001. غير أن هذا التحول نفسه شكل محوراً للانتقادات لاحقاً، خاصة مع تفاقم أزمة الرهن العقاري.
ولد غرينسبان في 6 مارس 1926 في نيويورك، ونشأ في بيئة عائلية متواضعة بعد انفصال والديه، حيث لعبت والدته دوراً محورياً في حياته، بينما ظل والده، الوسيط المالي، بعيداً عنه. ومع امتلاكه موهبة رياضية وذاكرة رقمية لافتة، فكر بداية في احتراف الموسيقى، بل التحق بمعهد “جوليارد”، قبل أن يتركه لينضم إلى فرقة موسيقية، ثم يتجه لاحقاً إلى دراسة الاقتصاد في جامعة نيويورك عام 1945.
بنى سمعته المهنية تدريجياً عبر العمل في مؤسسات بحثية ثم تأسيس شراكة استشارية في وول ستريت، حيث عرف بتحليلاته الدقيقة المعتمدة على البيانات. وتعرف في الخمسينيات على الفيلسوفة آين راند، التي أثرت في أفكاره، ودفعته نحو تبني فلسفة السوق الحرة والدفاع عنها.
دخل غرينسبان عالم السياسة عبر الحزب الجمهوري، وشارك في حملات ريتشارد نيكسون، ثم تولى رئاسة مجلس المستشارين الاقتصاديين في عهد جيرالد فورد، قبل أن يصبح لاحقاً مستشاراً لرونالد ريغان، الذي عينه رئيساً للاحتياطي الفيدرالي عام 1987.
واجه اختباراً حاداً بعد شهرين فقط من تعيينه، مع انهيار الأسواق في “الاثنين الأسود” 1987، حيث سارع إلى ضخ السيولة وخفض الفائدة، ما ساعد في احتواء الأزمة. وخلال التسعينيات، رسخ مكانته كمدير بارع للأزمات، خاصة بعد التعامل مع أزمة الأسواق الناشئة وانهيار صندوق “لونغ تيرم كابيتال مانجمنت”، ليظهر على غلاف مجلة “تايم” عام 1999 ضمن “لجنة إنقاذ العالم”.
لكن في المقابل، أثارت سياساته جدلاً واسعاً. فرغم تحذيره المبكر من “النشوة غير العقلانية” في أسواق الأسهم عام 1996، لم يتخذ خطوات كافية لكبح جماح فقاعة التكنولوجيا. كما اعتمد نهجاً يفضل معالجة آثار الأزمات بعد وقوعها بدلاً من منع تشكلها.
وبعد انفجار فقاعة “الدوت كوم”، خفض الفيدرالي الفائدة إلى 1%، في خطوة اعتبرت لاحقاً من بين العوامل التي ساهمت في تضخم فقاعة الإسكان. ويرى منتقدوه أنه أبقى الفائدة منخفضة لفترة طويلة، وفشل في دعم تشديد الرقابة على القطاع المالي، خاصة في سوق الرهن العقاري والأدوات المشتقة.
لم يكن غرينسبان في موقع المسؤولية عند اندلاع الأزمة المالية في 2007-2009، لكنه وجد نفسه في قلب الانتقادات، خصوصاً بسبب دفاعه السابق عن تخفيف القيود التنظيمية ومعارضته تشديد الرقابة على المشتقات المالية. وفي شهادة شهيرة أمام الكونغرس بعد انهيار “ليمان براذرز”، أقر بأنه “اكتشف خللاً” في إيمانه بكفاءة الأسواق.
ورغم ذلك، ظل الرجل يدافع عن سياساته، معتبراً أن أسعار الفائدة المنخفضة لم تكن العامل الأساسي وراء الأزمة، مشيراً إلى أن فشل التوقعات الاقتصادية يعود جزئياً إلى تجاهل العوامل السلوكية في الأسواق.
يبقى غرينسبان شخصية مفصلية في تاريخ الفيدرالي، إذ أشرف على فترة طويلة من النمو واستقرار الأسعار، لكنه في الوقت نفسه ارتبط اسمه بالاختلالات التي سبقت الأزمة المالية. وبينما يرى أنصاره أنه كان صانع سياسات جريئاً، يعتقد منتقدوه أنه تجاهل مخاطر جوهرية في النظام المالي.
وفي المحصلة، يجسد إرث غرينسبان حقبة كاملة من التفاؤل بالأسواق الحرة والانفتاح المالي، وهي الحقبة التي انتهت بأزمة هزت الاقتصاد العالمي، وما زالت تداعياتها تلقي بظلالها على الاقتصادات الغربية حتى اليوم.
المصدر: العربية – اقتصاد




