كأس العالم وقضايا أخرى مهمة!
ليس من السهل أن تترك قضايا الكون التى أشعلتها حرب الخليج الرابعة، خاصة بعد أن دخلت إلى مرحلة من «المسودة» و«ومذكرة التفاهم» و«التوقيع الإلكترونى» عليها ثم لقاء الوفود فى سويسرا للتوقيع النهائى على أمر مؤقت مدته 60 يومًا.
وفى الوقت نفسه، فإنه من الصعب على الدنيا بأسرها أن تغض الطرف عن مباريات كأس العالم التى تجرى لأول مرة فى ثلاث دول لم يُعرف عنها المهارة فى اللعبة، وفى حضور 48 دولة أغلبها حضر إلى العالم الجديد كما كان يقال عنه لتسجيل الحضور.
الحرب والمباريات مجالات للتنافس، ولكن هناك إجماعًا بين القراء والمحللين أولًا على أن سمة العالم الآن هى «عدم اليقين»، كما أن من بينهم من يضع أولوية للفوز بكأس العالم على الدخول إلى حرب لا ناقة له فيها ولا جمل.
هناك أمور خاصة بجيلنا لها علاقة بالحروب المزمنة فى الشرق الأوسط؛ وكذلك الشوق إلى فوز واحد حتى نكسر قواعد الخروج المبكر. الناقد الرياضى الأستاذ ياسر أيوب حذر بقوة من لعنة هولندا التى تعادلنا معها فى يوم مشرق، وانتهى جنوننا بنعمة التعادل إلى الخروج بعد تعادل وهزيمة.
ولا يمكن وسط هذه التقديرات الكروية أن تتخلى عن اللحظات الحرجة التى يبتعد حرجها وقتًا ثم يشتد بها الكرب وقتًا آخر. مازالت هناك أمور كثيرة معلقة، الجبهة اللبنانية مثالًا، ولا أحد يعلم ما الذى سوف تفعله إسرائيل وهى التى ترى تجاهل الرئيس ترامب لها فى العلم بمجريات مفاوضات تخص أمنها الوطنى وأصول التحالف مع الولايات المتحدة.
الغموض أيضًا لا يتخلى بطبيعة الأشياء والمباريات عن التنبؤ بنجاح كأس العالم 2026 ومن الفريق الذى سوف يحمل الكأس. بالطبع سوف يكون هناك كثير من الاندهاش من حالة التنسيق العربى الكبير، بحيث تعادلت أربعة منتخبات عربية فى أولى المباريات: قطر ومصر والسعودية والمغرب، حصل كل منها على نقطة وبقيت نقاط أخرى للفوز أو الخسارة. كنت مازلت شابًا عندما ذهبت مصر إلى كأس العالم 1990 بعد 56 عامًا من الغياب؛ وهالنى أن النقاد والمحللين دعوا الله من أجل «التمثيل المشرف»، من ناحيتى كنت مع الجماهير التى تساءلت: ولماذا لا نفوز بكأس العالم؟
كان فى الأمر تقصير فى الفهم وهو أن كثرة الحروب الجارية كان لها ثمن، وأن السلام عندما جاء حدث اغتيال الرجل الذى كان لديه الشجاعة للقول بالانفتاح الاقتصادى والقدرة على شن حرب منتصرة يعقبها السلام. على أى الأحوال مضت 28 عامًا حتى جاءت فرصة كأس العالم مرة أخرى فى روسيا، وهذه المرة لم يحدث تعادل مشرف للفريق المصرى وإنما الهزيمة فى ثلاث مرات لأن اللاعبين لم يستطيعوا النوم بسبب الاحتفالات المصرية بالصعود إلى نهائيات كأس العالم!!
هذه المرة عادت مصر إلى كأس العالم بعد ثمانى سنوات فقط؛ وهى واحدة من دلالات التقدم الجارى فى البلاد؛ وساعة الكتابة ومع التحذير من عقدة هولندا ربما سيكون لنا نصيب آخر. ولكن ذلك ليس مضمونًا خاصة مع أحوال الإقليم المُرة والانشقاقات الجارية بين العرب وداخل الشعب الفلسطينى؛ وعدم اليقين من «الأولويات» الجارية فى مصر تبعًا لعلم «فقه الأولويات» الذى يتبناه الاقتصاديون الذين أقلقهم كثيرًا أن يكون فى مصر «مونوريل». المهم أن المصريين فاض بهم الشوق إلى الفوز ولو فى مباراة واحدة على الأقل وإذا ما صعدنا إلى الدور التالى فسيكون فضلًا من عند الله.
ولكن النتيجة ليست كامل الأشياء، فكرة القدم لديها ما هو أكثر من المباريات ونتائجها لأنه فى مصر تصبح المناسبة أعظم وسائل التأكيد على «الهوية» المصرية؛ ومن متابعتى للقضية عبر العقود فإن العقد الحالى وكأس العالم الراهن ولد من الأعلام والهتافات وخفة الدم أعلى من أى وقت مضى.
الحقيقة أنه ربما كان ذلك هو الغرض الأساسى من الرياضة وكأس العالم فى كرة القدم خاصة؛ ومن يراقب الأمر فى الدول العربية التى شارك منها ثمانية فى الحدث الأعظم، سوف يجد الكثير من الشواهد على التأكيد ليس فقط على الهوية الوطنية وإنما الهوية العربية فوقها.
جميع الإذاعات والمحطات التليفزيونية قطعت من اهتماماتها تجاه الحرب والمقاومة ونزعات الرئيس ترامب وفرض نفسه على جميع شبكات الإعلام بقدرات فائقة؛ وباتت تركز على العظماء الثمانية الذين ذهبوا لينقذوا شرف العرب فى أمريكا بالفوز فى مباريات مستحيلة.
الملاحظ أن العرب الذين ذهبوا لم يوجد فى بلد أى منهم حرب أهلية، ولا ميليشيا، وفى الحالة العراقية فإنها فى الطريق للخلاص منها؛ ولدى الجميع مشروع وطنى للبناء والتعمير والتقدم.
هل كان هذا الأخير هو الذى أخذ بالدول إلى كأس العالم وطموحاته. هذا الأخير «كأس العالم» هو المحفز على الوحدة الوطنية، ودعم الهوية وإخراج أفضل ما فيها، وهى التى تشكل مقياسًا للمدى الذى وصلنا إليه وعما إذا كان ذهابنا إلى ما بعد قارتنا دلالة على أن المشروع الوطنى بخير وسلامة.
نقلاً عن المصري اليوم
المصدر: العربية – سياسة




