“الكلمة بتفرق”.. عن قوة اللغة وخرائط الإعلام والأفلام والكلام وإنتاج الأذى
نظم مركز الدراسات والوثائق الاقتصادية والقانونية والاجتماعية (CEDEJ) بالتعاون مع المعهد الفرنسي في مصر ومهرجان Egypt Med Fest، مؤتمرا تحت عنوان “الكلمة بتفرق” عن تأثيرات اللغة المستخدمة في وسائل الإعلام وصناعة الفنون على الجمهور العام وقد عقد المؤتمر في السابع عشر من الشهر الجاري بالقاهرة، على مدار أربع جلسات حوارية، سبقتها جلسة افتتاحية، رسمت في مجملها خريطة معقدة للعلاقة بين الإعلام والوصم والوعي العام.
انطلقت فكرة المؤتمر من إيمان القائمين عليه، أن “الكلمة ليست محايدة”، وليست مجرد وعاء للمعنى، أو أداة مهنية يستخدمها الصحفي والإعلامي أو صانع الأفلام لتمرير المعلومة، بقدر ما هي مساحة للاحتواء والدعم، ويمكنها أيضًا أن تتحول إلى أداة للوصم والإقصاء وإعادة إنتاج الأذى، خصوصًا حين يتعلق الأمر بقضيتي “الصحة النفسية” و”العنف ضد المرأة”.
حرص النقاش منذ بدايته على أن ينتقل من السؤال التقليدي “هل يسيء الإعلام تقديم وتناول المرض النفسي أو ظاهرة العنف ضد المرأة؟” إلى أسئلة أكثر عمقًا، “كيف تصنع العناوين والصور والسرديات نظرة المجتمع إلى المرضى النفسيين والناجيات من العنف؟ من يملك حق الكلام عن الصحة النفسية على المنصات الرقمية؟ وما الذي ينقص مصر على مستوى الإحالة والدعم والخدمات النفسية حتى لا يظل النقاش الإعلامي منفصلًا عن الواقع؟”.
الصحافة والإعلام.. شركاء تشكيل الوعي
في الجلسة الافتتاحية، حرص المتحدثون على إعادة تعريف حجم مسؤولية وتأثير الخطاب الإعلامي، مؤكدين أن الكلمات التي تُقال عن الأشخاص، الذين يمرون بأزمات نفسية، أو النساء اللواتي يتعرضن للعنف، لا تتوقف آثارها عند حدود اللغة، بل تمتد إلى الشعور بالخجل أو الأمان، إلى الصمت أو طلب المساعدة، وإلى الانكفاء أو القدرة على الحكي.
السفيرة نبيلة مكرم قالت، إن الكلمة قد تكون دعمًا أو تشجيعًا أو مواساة، لكنها قد تصبح أيضًا أداة للوصم والأذى، إذا استُخدمت بصورة خاطئة، محذّرة من أن بعض العبارات اليومية قد تدفع أشخاصًا إلى الصمت والخوف من طلب المساعدة.
الباحثة ياسمين الشافعي، وسّعت الفكرة لتشمل الصناعة الإعلامية كلها، لا اللغة المنطوقة فقط، مؤكدة أن “القصص التي نرويها، والعناوين التي نختارها، والصور التي ننشرها، والسرديات التي نكررها”، كلها تسهم في تشكيل فهم المجتمع للصحة النفسية والعنف القائم على النوع الاجتماعي.
ولخصت رؤيتها، قائلة إن الصحفيين والإعلاميين وصناع الأفلام ومنتجي المحتوى “ليسوا مجرد مراقبين للواقع الاجتماعي، بل هم أيضًا من المساهمين في تشكيله”.
د. مينا النجار، مؤسس ومدير مهرجان Med Fest قال: “الإعلاميون ليسوا مجرد ناقلين للحدث، بل شركاء في صناعة أثره”.
المشكلة كما يراها النجار، تكمن في الطريقة التي تتم التغطية بها، وفي الأثر الذي تتركه هذه التغطية على أشخاص يعيشون أصلًا تجارب هشّة أو مؤلمة.
اللغة.. كيف تصنع وصم المرض النفسي؟
ناقشت الجلسة الأولى اللغة الإعلامية نفسها، بوصفها إحدى الأدوات الرئيسية في إنتاج الوصم أو تفكيكه.
حملت الجلسة عنوان: “كيف تُشكّل اللغة الإعلامية وصم الصحة النفسية”، وناقشت كيف يمكن للكلمات، ولطرق السرد، وللصورة الدرامية، أن تضع المصاب النفسي داخل قفص من التنميط، أو تمنحه في المقابل تمثيلًا أكثر إنسانية ودقة.
الإعلامي بشير شوشة قال إن الخطاب العام في السنوات الأخيرة، تحول من مرحلة كان يُختزل فيها المرض النفسي في كلمة “جنون” إلى مرحلة الحديث عن اضطرابات ومشكلات نفسية بعين أكثر تخصصًا ووعيًا.
هذا التحول ـ حسب شوشةـ لم يلغِ الوصم بالكامل، لكنه كشف أن اللغة نفسها ساحة صراع، فإما أن تستمر في استخدام مفردات تُشيطن الشخص أو تسخر منه، وإما أن تتحول إلى لغة تُفرّق بين الإنسان وحالته، وتتعامل مع المرض النفسي، بوصفه جزءًا من تجربة إنسانية.
الدكتورة منى الرخاوي، شددت على أن “الصحة النفسية لا تعني غياب الألم”، بل القدرة على التعايش معه واتخاذ قرارات واعية في الحياة.
وفي هذا الفارق تحديدًا، تكمن مشكلة كثير من الخطابات الإعلامية والدرامية، حيث تتعامل مع المرض النفسي بوصفه انهيارًا كاملًا أو خروجًا عن الطبيعي، بينما الواقع أكثر تعقيدًا، وفيه طيف واسع من المعاناة والاضطرابات وأساليب التكيّف.
كما حذرت الرخاوي من ملفات جديدة، تحتاج إلى اهتمام أكبر، مثل إدمان الإنترنت والمقامرة الإلكترونية، معتبرة أنها من أبرز التحديات النفسية التي تواجه الأجيال الجديدة.
الدراما كانت حاضرة بقوة في الجلسة، باعتبارها إحدى الأدوات الأكثر تأثيرًا في تشكيل وعي الجمهور.
الفنانة هنا شيحة، تحدثت عن أهمية فهم البنية النفسية للشخصيات قبل تجسيدها، بينما أكدت المخرجة مريم الباجوري رفضها استخدام المرض النفسي كمادة للسخرية أو “الإفيهات”، مشددة على أن الدراما يجب أن تسهم في بناء الوعي لا في إعادة إنتاج التنميط.
في الجلسة تمت الإشارة، إلى أن بعض الأعمال الدرامية باتت تُظهر الشخصيات، وهي تلجأ إلى ” شات جي بي تي” أو محركات البحث لفهم مشكلاتها النفسية، في انعكاس واضح لسلوك متزايد لدى الجمهور.
هذه الإشارة جاءت كتنبيه إلى تحوّل حقيقي، حيث لم يعد البعض، يبدأ من الطبيب أو المختص، بل من الشاشة، ومن نتائج البحث، ومن المقاطع القصيرة، والنصائح السريعة.
هنا بالتحديد بدأ المؤتمر يفتح الباب للجلسة الثالثة لاحقًا، التي ستتوسع في سؤال المنصات الرقمية وفوضى المعلومات.
الإعلام.. كيف يروي قصص العنف ضد المرأة دون أن يعيد إيذاء الضحية؟
انتقلت الجلسة الثانية إلى مساحة أكثر حساسية، عنوانها “قصتها هي: كيف يسرد الصحفيون العنف القائم على النوع الاجتماعي في وسائل الإعلام”.
الإعلامية آية شعيب قالت، إن “وصم النساء يدفع كثيرات إلى الصمت والتراجع عن التعبير”.
الصمت هنا هو أحد النتائج المباشرة لثقافة تشكك في المرأة، إذا تكلمت، وتلومها إذا أفصحت، وتعيد محاكمتها اجتماعيًا، حتى بعد تعرضها للأذى.
الدكتورة ألفت عالم قالت إن “البوح والإنصات داخل مساحة آمنة يمثلان بداية حقيقية للتعافي”، مشيرة إلى أن منح الأشخاص مساحة للحديث عن تجاربهم يمكن أن يسهم في حل كثير من المشكلات النفسية.
ومن هذه الزاوية، يصبح الإعلام أمام اختبار صعب: هل يوفّر بالفعل مساحة آمنة للنساء للحديث عن تجاربهن؟ أم أنه يعيد إنتاج مناخ من الإدانة والشك والوصم، يدفعهن إلى مزيد من الصمت؟
في الجلسة نفسها، قدمت سالي ذهني نقدًا مباشرًا لجزء من الممارسة الإعلامية السائدة، حين قالت إن وسائل الإعلام تنقل يوميًا قصصًا عن التعنيف والانتهاكات، لكن التركيز غالبًا لا يكون على مرتكب الفعل، بل على الضحية نفسها، ما يؤدي إلى وصمها، بدلًا من دعمها.
وفي محاولة لتفكيك بعض الاستقطابات داخل الخطاب العام، حذرت آية شعيب، من أن الخطاب حول قضايا النساء لا ينبغي أن يتحول إلى خطاب عدائي أو وعظي تجاه الرجال، لأن ذلك قد يزيد الاحتقان بدل أن يعالج جذور المشكلة.
وفي المقابل، شددت ألفت عالم على أن العنف ضد المرأة لا ينبغي اختزاله في الضرب فقط، لأن هناك أشكالًا أخرى من العنف، بينها “الاغتصاب الزوجي“، كثيرًا ما تُطمس أو لا يُعترف بها اجتماعيًا.
من يملك سلطة الكلام؟ الحاجة لعقل نقدي
في الجلسة الثالثة، جاء الدور على المنصات الرقمية تحت عنوان “بين الترند والواقع: كيف يؤثر المحتوى الرقمي على الصحة والوعي النفسي”. حيث لم يعد النقاش متعلقًا فقط بالصحفيين وصناع الدراما، بل أيضًا بالمؤثرين وصناع المحتوى والبودكاست وخوارزميات المنصات، أي البنية التي باتت اليوم مصدرًا أساسيًا للمعلومات النفسية، خصوصًا لدى الأجيال الشابة.
الاعلامية دينا عبد الكريم قالت إن المنصات أتاحت لأي شخص يملك القدرة على الظهور أمام الكاميرا، أن يصبح صانع محتوى، وهو ما خلق وفرة هائلة من المعلومات والنصائح والتوصيفات، دون ضمانات كافية للجودة أو التخصص أو الدقة.
وأكدت على أن الحل ليس في المنع أو الإغلاق، بل في بناء عقل نقدي قادر على التمييز بين المعلومات الصحيحة والخاطئة.
أما الكاتبة مريم فرج، فاعتبرت أن الخطر الحقيقي ليس في المحتوى، بل في غياب التحقق من المعلومات، خصوصًا مع تطور أدوات الذكاء الاصطناعي وصعوبة التمييز بين المحتوى الحقيقي والمصنوع.
رغدة السيد رئيس تحرير منصة النساء، قالت إن كثيرين باتوا يشخصون أنفسهم بأمراض نفسية، اعتمادًا على ما يشاهدونه على الإنترنت، في حين أن بعض الأعراض قد تكون جزءًا طبيعيًا من التجربة الإنسانية.
د. مينا النجار، تساءل “من هو المؤثر الحقيقي؟” وقال إن المحتوى غير الدقيق قد يُقدَّم في قالب جذاب، يجعله أكثر انتشارًا من محتوى متخصص، لكنه أقل إثارة.
عن الحاجة والإتاحة.. أين يوجد الدعم النفسي في مصر؟
بعد ثلاث جلسات ركزت على اللغة والسرد والتمثيل والمنصات، جاءت الجلسة الأخيرة بعنوان “معلومات عن خارطة خدمات الصحة النفسية والدعم النفسي في مصر” لتطرح السؤال”، إذا نجح الإعلام في كسر الوصم، ودفع الناس إلى طلب المساعدة، فأين يذهبون؟ وما المتاح أصلًا على الأرض؟
في هذه الجلسة، جرى تقديم صورة عامة عن خدمات الصحة النفسية والدعم المتاحة في مصر، من خلال مشاركة ممثلين عن مؤسسات المجتمع المدني ومتخصصين في الطب النفسي، وركز النقاش على مسألة إتاحة المعلومات، والإحالة إلى الجهات المتخصصة، ودور الإعلام في تعريف الجمهور بهذه الخدمات كجزء من التغطية الأخلاقية لقضايا الصحة النفسية والعنف القائم على النوع الاجتماعي.
أيمن سبيع عرض جانبًا من دور “مؤسسة شمسية” ومشروع “الناصح”، الذي يهدف إلى تعريف المواطنين بالخدمات الصحية المتاحة وكيفية الوصول إليها، انطلاقًا من اعتبار الصحة حقًا دستوريًا، لا ينبغي أن تعوقه البيروقراطية أو نقص المعرفة أو ضعف الإحالة.
وقدّم الدكتور نبيل القط تعريفًا مهمًا للصحة النفسية، بوصفها قدرة على اتخاذ قرارات واعية والفاعلية داخل المجتمع، قبل أن يلفت إلى أزمة حقيقية “واحد من كل أربعة أشخاص قد يواجه اضطرابًا نفسيًا في مرحلة ما، بينما يظل عدد الأطباء النفسيين في مصر محدودًا للغاية، بما يقل عن ألف طبيب تقريبًا”، مع تركز الخدمات في أماكن محددة ونقص واضح في الإتاحة، خصوصًا خارج القاهرة.
من جهتها، شددت الدكتورة إيمان جابر، على أهمية الاعتماد على “مناهج علاجية قائمة على الأدلة العلمية”، وعلى ضرورة وجود تشريعات تنظم تقديم الاستشارات النفسية وتمنع غير المختصين من ممارستها.
وأوضحت أن خدمات الأمانة العامة للصحة النفسية متاحة أيضًا عن بُعد عبر المنصة الوطنية للصحة النفسية والخط الساخن وخدمات الطوارئ، في محاولة لسد جزء من فجوة الوصول إلى الدعم.
كما شددت على أن التمويل الحكومي المخصص للصحة النفسية ما يزال محدودًا مقارنة بحجم الاحتياج، وأن زيادة الوعي المجتمعي بهذا الملف تمثل خطوة أساسية نحو تعزيز الدعم المخصص له.
<p>The post “الكلمة بتفرق”.. عن قوة اللغة وخرائط الإعلام والأفلام والكلام وإنتاج الأذى first appeared on masr360.</p>
المصدر: مصر 360