بيان المنامة.. ولادة معادلة خليجية جديدة
بيان المنامة الصادر الخميس الماضي بداية مرحلة جديدة، فالبيان المشترك الصادر عن الاجتماع الوزاري بين الولايات المتحدة ودول مجلس التعاون يستحق أن يُقرأ بوصفه إعلاناً عن معادلة إقليمية مختلفة، بعد أن تلقت مؤسساتها وابلاً من الصواريخ والمسيرات.
أهم ما حمله البيان ليس إعادة التأكيد على الشراكة الخليجية – الأمريكية، وإنما الطريقة التي نظر بها إلى مجلس التعاون، لأول مرة منذ سنوات بدأ المجلس في نظر القوة الدولية الأكبر، كتلة سياسية واحدة لها مصالح مشتركة ورؤية متقاربة، وليست مجموعة دول يجمعها الجوار، وهذا اعتراف بأن الخليج أصبح شريكاً في صناعة التوازنات الإقليمية.
ويكشف هذا التحول عن مسافة كبيرة قطعتها العلاقة الخليجية – الأمريكية منذ قمة كامب ديفيد عام 2015، حين منع الخليجي وقتها من المشاركة في التفاوض مع إيران، أما اليوم فقد انتقلت دول مجلس التعاون من موقع انتظار نتائج التفاهمات، إلى موقع المشاركة في صياغتها، وهو تحول لا يقل أهمية عن أي بند ورد في البيان نفسه.
غير أن هذا التحول يقابله مشهد مختلف في طهران، فعلى عكس ما يعتقده البعض من أن المفاوض الإيراني بارع في المناورة، فإن ذلك أقرب إلى الحكم الانطباعي منه إلى التحليل السياسي، فالمفاوض الإيراني يعمل داخل منظومة تتنافس فيها مراكز القوى على المزايدة في التشدد.
ويزداد الأمر تعقيداً لأن القيادة العليا لا تزال أسيرة أفكار قطعية ترى أن أي تنازل جوهري مهما كانت فوائده، قد يفتح الطريق إلى إضعاف النظام، صعوبة التفاوض مع إيران لا تعود إلى مهارة المفاوض، بل إلى طبيعة النظام الذي يضيق هامش الحركة، ويجعل أي مرونة موضع شك وربما تستحق العقاب.
ومن هنا فإن القضية لم تعد البرنامج النووي أو الصواريخ بعيدة المدى ولا حتى الأذرع، بل طبيعة المشروع الإقليمي الإيراني، فالممارسة السياسية خلال العقود الماضية تكشف عن أن أولوية السياسة الإقليمية الإيرانية أصبحت في التطبيق العملي تكريس النفوذ في الخليج العربي.
وتراجعت الشعارات في مقدمتها شعار «تحرير فلسطين»، لقد انتقلت الأولويات من رفع الشعارات إلى بناء النفوذ، ومن الصراع مع الخارج إلى السعي للتأثير في البيئة الخليجية، بدليل الإصرار على الإشراف على مضيق هرمز.
ذاك ما يفسر الإصرار الإيراني على تجنب التعامل مع مجلس التعاون ككتلة واحدة، وتفضيل العلاقات الثنائية مع بعض دوله، فكلما تفرقت المواقف الخليجية اتسع هامش الحركة أمام طهران، وهي سياسة ليست جديدة فقد حاول صدام حسين من قبل التعامل مع الخليج بالطريقة نفسها، وانتهى رهانه إلى الفشل، ما يثبت أن وحدة الموقف ليست مجرد قيمة سياسية بل مصدر قوة.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية ما ورد في البيان بشأن حرية الملاحة في مضيق هرمز، فالحديث المتكرر عن فرض رسوم أو تقديم خدمات للسفن، محاولة لتكريس تصور يمنح إيران دوراً خاصاً في إدارة أهم ممر بحري في المنطقة.
ولو قُبل هذا المنطق لتحول المضيق من ممر دولي تحكمه قواعد القانون الدولي إلى أداة نفوذ سياسي. ولذلك جاء رفض البيان المساس بحرية الملاحة رفضاً لمبدأ الهيمنة، كما أن النص الصريح على احترام سيادة دولة الكويت ووحدة أراضيها ومياهها الإقليمية، جاء ليؤكد أن أمن الخليج لا يتجزأ، وأن أي مساس بحقوق دولة عضو، هو مساس بالأمن الجماعي للمجلس كله.
أما في الملفات العربية، فقد أعاد البيان الاعتبار لفكرة الدولة الوطنية، سواء في لبنان بحصر السلاح بيد الدولة، أو في سوريا بدعم استعادة مؤسساتها، أو في العراق بتعزيز سيادته ومنع استخدام أراضيه للإضرار بجيرانه، مع التمسك بحل الدولتين باعتباره الإطار الواقعي لتحقيق سلام دائم في فلسطين.
الرسالة الأعمق في بيان المنامة لا تكمن في تفاصيله، بل في اتجاهه العام. اليوم الخليج لم يعد مجرد ساحة تدار فيها الصراعات، بل أصبح طرفاً يشارك في رسم قواعدها، وهذا تحول يستحق الانتباه، لأنه قد يكون بداية مرحلة جديدة في السياسة الإقليمية.
نقلاً عن البيان
المصدر: العربية – سياسة





