انتقال الثروة العظيم يربك وول ستريت.. تريليونات الدولارات مهددة بالهروب من قبضتها

أعاد انتقال الثروات بين الأجيال تشكيل صناعة إدارة الثروات عالمياً، مع استعداد أكثر من 60 تريليون دولار للانتقال من جيل “طفرة المواليد” إلى أبناء جيل الألفية والجيل زد في الولايات المتحدة وحدها بحلول عام 2048، في تحول يصفه القطاع بـ”انتقال الثروة العظيم” ويهدد نماذج الأعمال التقليدية للمصارف ومديري الثروات.
وأظهر التحول بوضوح في قصة الملياردير السنغافوري الراحل جوه تشينغ ليانغ، مؤسس إمبراطورية “نيبون باينت”، الذي تجاوز الأعراف التقليدية في توزيع إرثه البالغة قيمته نحو 13 مليار دولار، مانحاً أحفاده جزءاً كبيراً من أصوله المالية مباشرة، فيما ترك إدارة الشركة العائلية لابنه. وخلق القرار جيلاً جديداً من المليارديرات الثلاثينيين يتمتعون بحرية أكبر في الاستثمار والإنفاق بعيداً عن قيود الشركات العائلية.
وأكدت شركات الاستشارات أن هذا التحول لا يقتصر على انتقال المال فحسب، بل يمتد إلى انتقال السلطة الاستثمارية إلى جيل يحمل أفكاراً مختلفة جذرياً بشأن إدارة الثروة. فالأثرياء الشباب نشأوا في عصر التكنولوجيا والعملات المشفرة والذكاء الاصطناعي، ما جعلهم أقل ارتباطاً بالمستشارين الماليين التقليديين وأكثر ميلاً لإدارة أموالهم بصورة مستقلة، وفقاً لما ذكرته صحيفة “فاينانشال تايمز”، واطلعت عليه “العربية Business”.
وفقدت البنوك ومديرو الثروات التقليديون بالفعل نحو 1.5 تريليون دولار من الأصول الخاضعة للاستشارات بين عامي 2022 و2025، بعدما اتجه العملاء الأثرياء إلى منصات وشركات ناشئة تقدم خدمات رقمية أقل تكلفة وأكثر مرونة. وزادت الضغوط مع انتشار أدوات الاستثمار الذاتي وتطور تقنيات الذكاء الاصطناعي التي مكنت المستثمرين من الوصول إلى المعلومات واتخاذ القرارات دون الاعتماد الكامل على الوسطاء.
ودفعت هذه التغيرات المؤسسات المالية إلى مراجعة استراتيجياتها، عبر تبني العملات المشفرة والاستثمارات البديلة وتوسيع الخدمات الموجهة لنمط الحياة. كما أبرمت مؤسسات كبرى شراكات مع شركات الأصول الرقمية، إذ تعاونت مورغان ستانلي مع “غالاكسي ديجيتال”، بينما أطلق “جي بي مورغان” تعاوناً مع منصة “كوينباس”، في محاولة لاستقطاب جيل جديد يرى في الأصول الرقمية جزءاً أساسياً من المحافظ الاستثمارية.
وأبرزت البيانات اتساع الفجوة بين الأجيال في تفضيلات الاستثمار، إذ يمتلك نحو نصف المستثمرين من جيل الألفية أصولاً مشفرة، مقابل ثلث من الجيل X وسدس فقط من جيل “طفرة المواليد”. كما أظهر استطلاع لبنك أوف أميركا أن نحو 90% من الأثرياء الذين تتراوح أعمارهم بين 21 و45 عاماً يرغبون في زيادة استثماراتهم بالأصول البديلة مثل الملكية الخاصة والعقارات، مقارنة بـ15% فقط لدى الأجيال الأكبر سناً.
وسعت المصارف أيضاً إلى تلبية شهية الشباب نحو الاستثمار في شركات الذكاء الاصطناعي الناشئة والأسواق الخاصة قبل الطروحات العامة. وجاء استحواذ “مورغان ستانلي” على منصة “EquityZen” واستحواذ “تشارلز شواب” على “Forge Global” في إطار السباق لتوفير فرص استثمارية حصرية في الشركات الخاصة التي ينظر إليها المستثمرون الشباب باعتبارها الطريق لاكتشاف “سبيس إكس” الجديدة قبل الجميع.
وحاولت المؤسسات المالية كسب ولاء الورثة المستقبليين عبر أدوات رقمية متطورة وبرامج تعليمية وفعاليات حصرية، تشمل دورات لمحو الأمية المالية ولقاءات لورثة العائلات الثرية وحتى فعاليات خاصة بسباقات الفورمولا 1. لكن خبراء القطاع يشككون في قدرة هذه المبادرات على منع نزوح الأموال بعد انتقالها إلى الجيل الجديد، خاصة مع تزايد اعتماد الأثرياء على أكثر من مؤسسة مالية ورغبتهم في تنويع مصادر المشورة والاستثمار.
وحذر مسؤولون في قطاع إدارة الثروات من أن مستقبل الصناعة أصبح على المحك، إذ لا يقتصر التحدي على الحفاظ على الأموال تحت الإدارة، بل يمتد إلى كسب ثقة جيل يرى أن التكنولوجيا قادرة على توفير المعلومات والفرص الاستثمارية التي كانت حكراً على المؤسسات المالية لعقود طويلة. وفي ظل هذا الواقع، تبدو المصارف مضطرة للحاق بركب التغيير بدلاً من قيادته.
المصدر: العربية – اقتصاد





