نهاية الأحزاب التقليدية وعصر جديد للنظام السياسي
ضمن ملف خصصته مجلة فورن بوليسي للتحولات البنيوية في السياسة الدولية، يناقش أستاذ العلوم السياسية بجامعة أكسفورد، أنطوني ياجر، صعود الأحزاب السياسية وأفولها، مستعرضًا تطورها من الفكر السياسي الكلاسيكي، ومن توكفيل وجرامشي، ومن تجارب الديمقراطية اللاتينية ومجلس العموم البريطاني، وصولًا إلى أزمة الأحزاب في أوروبا والولايات المتحدة خلال العقد الأخير.
ويخلص الكاتب إلى أن النظام السياسي يشهد تحولات عميقة تتراجع معها أدوار الأحزاب التقليدية، لصالح أشكال تنظيمية جديدة تؤدي وظائف سياسية مختلفة، وتأتي المقالة ضمن ملف المجلة، الذي يناقش التحولات الكبرى في العالم، ويعيد النظر في مستقبل مفاهيم ومؤسسات ظلت راسخة لعقود، كما الأمم المتحدة، والأحزاب وفكرة اللجوء، والنظام الليبرالي، وتصدع التحالفات الدولية.
“انقضى عصر ديمقراطية الأحزاب”. بهذه العبارة لخّص عالم السياسة الإيرلندي بيتر ماير، في كتاب نُشر بعد وفاته عام 2013، حصيلة سنوات طويلة من دراسة الحزب السياسي، بوصفه أحد أهم ظواهر ومكونات الحياة السياسية الحديثة. الحزب ذلك التنظيم، الذي يضم القيادات والأعضاء والكوادر والناخبين، ويعمل داخل البرلمان وفي المجال العام على السواء.
وقد بدا لماير، الذي توفي عام 2011، أن السياسة الحديثة لا يمكن تصورها دون الأحزاب، بل تساءل أحيانًا، عمّا إذا كانت الديمقراطية نفسها قادرة على البقاء في غيابها. غير أن السنوات الأخيرة من حياته دفعته إلى قناعة يصعب مقاومتها: فالكائن الذي كرّس حياته لدراسته “أي الأحزاب”، أصبح مهددًا بالانقراض. وربما يستمر النظام السياسي، لكن من دون أكثر مكوناته (الحزب) هيمنة وتأثيرًا.
كانت هذه الملاحظة آنذاك أقرب إلى نبوءة؛ إذ كانت أوروبا لا تزال تعيش ارتدادات الأزمة المالية العالمية (2008) ولم يكن استيلاء دونالد ترامب على الحزب الجمهوري قد حدث بعد. أما في عام 2026، فقد بات تحذير ماير يبدو توصيفًا دقيقًا للواقع، خاصة بعد الانهيار الذي تعرض له كل من حزب العمال والمحافظين في انتخابات المجالس المحلية البريطانية الأخيرة. وأصبح واضحًا في الولايات المتحدة وأوروبا، أن السياسة الديمقراطية لم تعد تُمارس من خلال الأحزاب بالمعنى التقليدي، الذي عرفه القرن العشرون.
صحيح، أن الأحزاب لا تزال تظهر رسميًا في الانتخابات، بل إن عددها ازداد، بدلًا من أن يتراجع. غير أن اختفاء الأحزاب الكبرى ينبغي فهمه في سياق صعود كيانات سياسية جديدة: تنظيمات رقمية، وأحزاب تتمحور حول شخص واحد، وأحزاب وحركات ذات أعمار قصيرة، لكنها شديدة النشاط.
ومع ذلك، وكما أشار ماير، فإن هذه الكيانات الجديدة بالكاد تستحق أن تُسمّى أحزابًا بالمعنى، الذي كانت تمثله التنظيمات التقليدية.
فالأحزاب لم تكن أدوات انتخابية مؤقتة، يستخدمها السياسيون للفوز بالمناصب، بل هي منظمات عضوية، صُممت للاستمرار عبر الزمن، متجاوزة دورة انتخابية أو إعلامية واحدة.
كما شكّلت الأداة الأبرز للعمل الجماعي في العصر الحديث؛ إذ مكّنت النخب من تنظيم الجماهير وتوجيهها، لكنها في الوقت نفسه وفّرت حدًا أدنى من التمثيل للفئات المهمشة.
ويشير عالم السياسة كريستوفر بيكرتون، إلى أن الأحزاب أدت دورًا، يشبه دور الهيئات الوسيطة، إذ مثلت الجسر الذي يربط بين الأفراد والدولة، مع فارق جوهري، يتمثل في أنها كانت تنظيمات طوعية، بخلاف النقابات والحِرف والهيئات التقليدية، التي كانت تفرض العضوية على الأفراد منذ الميلاد، وحتى الوفاة.
ولهذا السبب شبّه المفكر الماركسي الإيطالي أنطونيو جرامشي، في ثلاثينيات القرن الماضي، الحزب السياسي في كتابه «الأمير الحديث»، باعتباره الفاعل الجماعي الوحيد القادر على التوفيق بين الديمقراطية وتعقيدات المجتمع الحديث.
ففي وجهة نظره، جاء الحزب عند نقطة التقاء عمليتين شكّلتا جوهر الحداثة: التصنيع والديمقراطية، وهي العملية التي وصفها المؤرخ البريطاني إريك هوبزباوم بـالثورة المزدوجة.
وقد منحت الأحزاب مضمونًا للصراع الديمقراطي؛ إذ أدت دور الوسيط بين المجتمع والدولة، فترجمت المطالب الشعبية إلى سياسات عامة، وفي الوقت نفسه، أمدّت النخب السياسية بالكوادر، وساعدتها في التنسيق بين مختلف الفئات الاجتماعية والاقتصادية، لضمان القبول الشعبي، وأيضًا لتسوية خلافات بينها.

لهذا أصبحت السياسة والأحزاب، خلال القرن العشرين، شبه مترادفتين. فقد رأى السياسي الإيطالي بالميرو تولياتي، أن الحزب هو “تنظيم الديمقراطية” نفسه، بما يعني أن الحياة السياسية تفقد عمودها الفقري في غياب التنظيم الحزبي، ثم جاء علماء السياسة أصحاب التوجه الاقتصادي ليصفوا الأحزاب، بأنها مرافق عامة أو أجهزة شبه حكومية لا غنى عنها لعمل الديمقراطية.
الأحزاب بين الفكر السياسي والممارسة
ومع ذلك، لم يكن هذا الارتباط بين الحزب والديمقراطية أمرًا بديهيًا في الفكر السياسي خلال القرن التاسع عشر. فالديمقراطيات القديمة، وفي مقدمتها أثينا، لم تعرف الأحزاب بالمعنى الحديث، وإن عرفت التكتلات والتحالفات المؤقتة.
واستغرق تجاوز هذا النفور من الأحزاب وقتًا طويلًا، حتى لدى النخب المؤيدة للحكم البرلماني، ففي بريطانيا خلال القرن الثامن عشر، بدأت تتشكل تدريجيًا كتل التصويت داخل مجلس العموم، بين حزبي المحافظين والأحرار، لكنها ظلت تجمعات غير رسمية أو نوادي سياسية، ولم تتحول إلى مؤسسات تنظيمية واضحة إلا خلال القرن التاسع عشر.
وكانت الولايات المتحدة استثناءً مبكرًا لهذه القاعدة. فمنذ ثلاثينيات القرن التاسع عشر لاحظ ألكسيس دو توكفيل، أن استقرار الديمقراطية الأمريكية ارتبط بشروط خاصة، أهمها قوة النخب الحزبية وقدرتها على تعبئة الناخبين عبر الآلة الحزبية.
وكتب توكفيل في كتابه “الديمقراطية في أمريكا” أن براعة الفاعلين السياسيين تكمن في إنشاء الأحزاب، وأن الطامح إلى السلطة في الولايات المتحدة يحتاج إلى حزب، يؤمّن له الشرعية والشعبية، كما يحتاج الملك إلى ختمه الرسمي.
ومع ذلك، رأى توكفيل أن أوروبا ستسلك طريقًا مختلفًا نحو الديمقراطية، وأن استنساخ التجربة الأمريكية في القارة الأوروبية أمر غير ممكن، وإن كانت الأحزاب ستضطلع فيها أيضًا بوظيفة الاستقرار السياسي.
وعلى الرغم من أن هذا التصور ظل محدود الانتشار لدى المحافظين، فإنه وجد صداه الأكبر في أوساط اليسار. ففي عام 1848 اختار كارل ماركس وفريدريك إنجلز عنوان “بيان الحزب الشيوعي” لكراستهما الشهيرة، انطلاقًا من اقتناعهما، بأن الحركة العمالية ستظل أسيرة الاحتجاجات المتفرقة أو المؤامرات المحدودة، ما لم تمتلك تنظيمًا حزبيًا، يقودها ويوجهها. فالحزب، في نظرهما، هو الذي يمنح النضالات الاجتماعية اتجاهًا وتنظيمًا، ويحوّل التمرد إلى ثورة.
ومنذ خمسينيات القرن التاسع عشر، وبعد سنوات من الخلافات الداخلية، بدأت الأحزاب العمالية تتشكل في مختلف المراكز الصناعية الأوروبية. وأصبح الحزب بالنسبة للاشتراكيين الأداة الأساسية لتحقيق التغيير الاجتماعي، قبل أن يدرك المحافظون لاحقًا، أن الوسيلة ذاتها يمكن أن تُستخدم، ليس لتسريع التحول الاجتماعي، بل للحفاظ على النظام القائم والحد من اندفاع التغيير.
بحلول سبعينيات القرن التاسع عشر، اقتنعت النخب المحافظة أيضًا بتحذير توكفيل من أن توسع الديمقراطية بات أمرًا لا مفر منه، لكنه لا يقود بالضرورة إلى الراديكالية.
ومن ثمّ، كان لا بد من ربط الجماهير بالدولة وبالتراتبية الاجتماعية عبر الأحزاب، التي توفر لها التوجيه الأيديولوجي والمنافع الاجتماعية.
وإذا كان الاقتراع العام قد أصبح حقيقة، لا يمكن التراجع عنها، فإن الضمانة الوحيدة لحماية الملكية والنظام الاجتماعي تمثلت في بناء تنظيمات حزبية قادرة على استيعاب آثار هذا التوسع الديمقراطي.
وخلال فترة ما بين الحربين العالميتين، تعرضت الأحزاب لموجات متكررة من النقد والسخرية. فقد رأى كثيرون، أنها أصبحت تجسد انحرافًا أوليجارشيًا “أي أقلويا يعبر عن أقلية” عن الحكم الشعبي، وأنها تحولت في نظر اليمين واليسار على السواء، إلى طبقة من البيروقراطيين المنفصلين عن إرادة المواطنين.
ومع ذلك، كان من شبه المستحيل آنذاك تصور نقد لـ«حكم الأحزاب» يرفض الشكل الحزبي نفسه، وهو ما يتجلى في أن كثيرًا من الحركات اليمينية المتطرفة تبنت بدورها نموذج الحزب السياسي.
أما قوى الوسط واليسار، فقد نظرت إلى الأحزاب بوصفها أدوات للتغيير الثوري والاستقرار السياسي معًا. وفي دول البنلوكس (بلجيكا وهولندا ولوكسمبورج) شمال أوروبا، رُسِّخ نظام “التقسيم المجتمعي” ونُظِر إلى الأحزاب، باعتبارها الوسيط الرئيسي بين المواطنين والدولة، بل أُوكِل إليها أداء وظائف مثل توفير الضمان الاجتماعي.
وفي بلجيكا خلال ستينيات القرن العشرين، أصبح من الممكن الحديث عن «دولة الحزب الاجتماعي المسيحي»، في إشارة إلى هيمنة الحزب المسيحي الاجتماعي على المجال السياسي بأسره.
أما اليوم، فإن الحزب الذي خلف ذلك التنظيم التاريخي لا يحظى وفق أحدث استطلاعات الرأي، إلا بنحو 10% من التأييد، فيما فقدت الأحزاب الثلاثة التي قامت عليها منظومة الأعمدة السياسية التقليديةــ الليبرالية والاشتراكية والمسيحية ــ أغلبيتها المشتركة منذ زمن.
البحث عن تفسير للتراجع
ويتطلب تفسير هذا الانقراض النظر إلى مسارين متوازيين، أحدهما طويل الأمد والآخر قصير الأمد، أحدهما سلبي والآخر فاعل. فمن جهة، انتشرت ثقافة سياسية جديدة، باتت تنظر إلى المؤسسات الجماعية، باعتبارها تتدخل على نحو مفرط في الحياة الخاصة للمواطنين.
لكن العامل الأكثر أهمية تمثل في الأزمة الاقتصادية خلال سبعينيات القرن الماضي، حين بدا أن الدولة لم تعد قادرة على إعادة الرأسمالية إلى مسارها الطبيعي.
وفي ذلك الوقت، شاع الاعتقاد بأن نفوذ المواطنين داخل الدولة عبر الأحزاب، وإصرارهم على الدفاع عن المصالح الخاصة، حال دون استعادة النمو والاستقرار النقدي.
ومن خلال هجوم طبقي منظم، إلى جانب تعزيز استقلال المؤسسات غير المنتخبة، مثل البنوك المركزية، أُعيدت تهيئة الظروف اللازمة لاستمرار تراكم رأس المال، لكن على حساب فاعلية الأحزاب وقدرتها على التأثير.
ولم تؤدِّ هذه التحولات إلى اختفاء الأحزاب فورًا، بل كان هناك فارق زمني بين تآكلها الداخلي وموتها الفعلي. فقد ظلت موجودة على بطاقات الاقتراع وفي البرلمانات، لكنها أصبحت فارغة من مضمونها التنظيمي، وفقدت تدريجيًا شرعيتها وحياتها الداخلية، حتى وإن بقيت أشكالها المؤسسية قائمة.
<p>The post نهاية الأحزاب التقليدية وعصر جديد للنظام السياسي first appeared on masr360.</p>
المصدر: مصر 360

