أميركا تتصدر قائمة الموردين.. كيف تؤمن مصر احتياجاتها من الغاز؟

كشف مصدر مسؤول أن مصر تحتاج إلى استيراد نحو 2.7 مليار قدم مكعبة يومياً من الغاز الطبيعي في المتوسط، خلال يوليو الجاري لسد فجوة الاستهلاك وتأمين احتياجات السوق المحلية من الوقود اللازم لتشغيل محطات الكهرباء والمصانع.
وقال المصدر لـ”العربية Business”، إن تدبير احتياجات مصر من الغاز يتم عبر مزيج من الإمدادات الواردة من دول الجوار عبر خطوط الأنابيب، إلى جانب شحنات الغاز الطبيعي المسال التي يتم التعاقد عليها من عدد من الموردين والدول، بما يدعم استراتيجية تنويع مصادر الإمدادات ويعزز أمن الطاقة.
وأضاف أن استراتيجية التنويع تمنح الدولة مرونة أكبر في إدارة منظومة الإمدادات، سواء من حيث اختيار مصادر التوريد أو توقيتات الشحنات، بما يتناسب مع احتياجات الاستهلاك المحلي والتغيرات التي تشهدها الأسواق العالمية.
كم تحتاج مصر من الغاز؟
وبحسب المصدر، فإن السوق المصرية تستهلك كميات يومية من الغاز الطبيعي تدور في متوسط 6.5 مليار قدم مكعبة يومياً، تنتج منها وزارة البترول المصرية حوالي 3.8 مليار قدم مكعبة يومياً عبر حقول الغاز البرية والبحرية بالبلاد.
أكد أن فجوة الغاز في السوق المحلية تقارب 42% ما يعادل 2.7 مليار قدم مكعبة يومياً من الغاز وهي كميات تغطيها مصر من الخارج وتوجهها بشكل مباشر إلى محطات الكهرباء والقطاع الصناعي، إذ يمثل الغاز الوقود الرئيسي في توليد الطاقة وكذلك المشغل الرئيسي للصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة مثل الأسمدة والبتروكيماويات.
وبدأت وزارة البترول المصرية في أبريل من عام 2024 استيراد شحنات من الغاز المسال لمواجهة الطلب المتزايد على الغاز الطبيعي من قِبل قطاع الكهرباء، إلا أنه مع بداية 2025 بدأت الوزارة بالتوسع في عمليات استيراد شحنات الغاز المسال مع إبرامها تعاقدات لاستئجار وحدات جديدة لتغويز الغاز المسال.
وتعتمد مصر حالياً على 4 سفن تغويز عائمة موزعة بين مينائي العين السخنة ودمياط، تشمل سفينة “هوج جاليون”، و”إنرجوس إسكيمو” بميناء سوميد، و”إنرجوس باور” بميناء سونكر، إضافة إلى “إنرجيوس ونتر” في ميناء دمياط.
من أين تحصل مصر على الغاز؟
وأوضح المصدر أن مصر تعتمد في تدبير احتياجاتها من الغاز على مسارين رئيسيين؛ الأول يتمثل في واردات الغاز الطبيعي عبر خطوط الأنابيب من دول الجوار، والتي تضخ مباشرة إلى الشبكة القومية للغاز، وتشمل إمدادات من إسرائيل تقترب من مليار قدم مكعبة يومياً.
وأضاف أن المسار الثاني يعتمد على استيراد شحنات الغاز الطبيعي المسال من عدد من الموردين العالميين لتوفير حوالي 1.7 مليار قدم مكعبة يومياً من الغاز الطبيعي، والتي تمثل الحصة الأكبر من إجمالي واردات البلاد من الغاز، وتتغير كمياتها شهرياً وفقاً لاحتياجات السوق المحلية.
وأشار إلى أن هذه الشحنات توجه فور وصولها إلى وحدات التغييز التي تعاقدت عليها الحكومة، حيث يُعاد تحويل الغاز من حالته السائلة إلى الحالة الغازية، قبل ضخه في الشبكة القومية لتلبية احتياجات محطات الكهرباء والقطاع الصناعي ومختلف القطاعات المستهلكة.
الولايات المتحدة تتصدر قائمة الموردين
وبرزت الولايات المتحدة خلال الأشهر الأخيرة باعتبارها المورد الأكبر للغاز المسال إلى مصر، مستفيدة من الطفرة الكبيرة في صادراتها من الغاز الطبيعي المسال إلى الأسواق العالمية، إذ تحولت السوق المصرية إلى إحدى الوجهات الرئيسية للشحنات الأميركية، في ظل احتياج القاهرة المتزايد لكميات إضافية من الغاز لتغطية الطلب المحلي، خصوصاً خلال أشهر الصيف، وفق المصدر.
ولفت المصدر إلى أن الولايات المتحدة هي المورد الرئيسي لشحنات الغاز المسال التي تحصل عليها مصر بنسبة تتجاوز 90% من واردات البلاد الحالية، يليها دول ترينيداد وتوباغو وموريتانيا وغينيا الاستوائية، وفي أوقات أخرى تحصل مصر على كميات من إسبانيا والنرويج وإيطاليا وذلك ضمن استراتيجية تنويع مصادر الإمدادات وتعزيز أمن الطاقة.
وبحسب المصدر، وفرت واردات مصر من الغاز الطبيعي المسال الأميركي – بعد إعادة تغييزه – متوسط إمدادات بلغ نحو 1.55 مليار قدم مكعبة يومياً خلال الشهرين الماضيين (46.5 مليار قدم مكعب غاز شهرياً في المتوسط)، فيما أسهمت الشحنات الواردة من الموردين الآخرين في توفير نحو 150 مليون قدم مكعبة يومياً في المتوسط.
وكشفت بيانات وزارة الطاقة الأميركية عن ارتفاع واردات مصر من الغاز الأميركي بنسبة 218% خلال أول 4 أشهر من العام الجاري لتصل إلى 192.4 مليار قدم مكعبة، بينما وصلت الكميات المستوردة في شهر أبريل الماضي إلى 57 مليار قدم مكعب من 53.3 مليار قدم مكعب.
وتشير البيانات إلى ارتفاع الواردات بما يتجاوز العجز بعد حصة الغاز الإسرائيلي، وتشير مصادر “العربية Business” إلى أن عدم استقرار تدفق الغاز الإسرائيلي والذي انقطعت إمداداته 3 مرات خلال الأشهر الماضية، كما هبطت الواردات عن المتوسط اليومي المقدر بمليار قدم مكعب يومياً لفترات تصل في بعض الأحيان إلى 10 أيام، ما يرفع من واردات الغاز المسال في بعض الأشهر، خاصة التي تسبق ذروة الاستهلاك في فصل الصيف.
وفي نوفمبر 2025، قال نائب وزير الخارجية الأميركي كريستوفر لاندو، إن مصر اختارت شركة الطاقة الأميركية “هارتري بارتنرز” لصفقة غاز طبيعي بقيمة أربعة مليارات دولار، على أن يبدأ توريد الشحنات اعتباراً من يناير 2026.
تسعير الغاز المسال
لفت إلى أن سعر الغاز المسال يتراوح حالياً بين 18 و20 دولاراً لكل مليون وحدة حرارية، وهي تكلفة مرتفعة عن تعاقدات بداية العام التي كانت بمتوسط 12 دولاراً لكل مليون وحدة حرارية.
وأرجع المصدر الارتفاع الذي شهدته أسعار الغاز المسال الفترة الماضية إلى التوترات الجيوسياسية التي صاحبت الحرب بين إيران والولايات المتحدة، وما أثارته من مخاوف بشأن حركة الملاحة وإمدادات الطاقة عبر مضيق هرمز، وهو ما انعكس على أسعار الشحنات الفورية.
وأضاف أن الأسعار مرشحة للتراجع خلال تعاقدات الربع الثالث من العام الجاري بنحو 15% مقارنة بالمستويات الحالية، مدفوعة بانحسار المخاطر الجيوسياسية عقب التوصل إلى اتفاق للتهدئة بين الولايات المتحدة وإيران واستمرار حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، بما يعزز استقرار أسواق الغاز الطبيعي المسال.
وقال المصدر إن وزارة البترول المصرية، تدرس التعاقد على استيراد نحو 30 شحنة إضافية من الغاز المسال لتسلمها خلال الربع الأخير من عام 2026، لتأمين احتياجات السوق المحلية من الوقود.
وأضاف أن الشحنات الجديدة ستُخصص للاستهلاك خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة من العام، بعد استكمال استلام جميع الشحنات المتعاقد عليها بنهاية الصيف الجاري، أي أواخر سبتمبر المقبل. مضيفاً أن الحكومة المصرية تسعى إلى تعزيز إمدادات الوقود لمحطات الكهرباء والقطاعات الصناعية خلال فترات ارتفاع الاستهلاك، بالتوازي مع جهود زيادة الإنتاج المحلي من الغاز الطبيعي عبر تطوير الحقول القائمة وتسريع عمليات الاستكشاف والتنمية.
الحد من المخاطر واضطرابات الإمدادات
وأكد المصدر أن وزارة البترول المصرية تعتمد نهجاً تحوطياً يعتمد على تنويع مصادر الإمداد وتعزيز المخزون الاستراتيجي، بما يضمن استقرار السوق المحلية ويحد من تداعيات تقلبات أسواق الطاقة العالمية.
وأوضح أن التعاقد مع أكثر من مورد يسهم في تعزيز أمن الطاقة، ويحد من المخاطر المرتبطة بأي اضطرابات قد تؤثر على الإمدادات من مصدر بعينه، فضلاً عن إتاحة فرص أفضل للحصول على شحنات وفقاً لظروف السوق.
وأشار إلى أن الحكومة تعمل على تأمين احتياجات السوق المحلية بصورة استباقية، من خلال برنامج متكامل لاستيراد الغاز الطبيعي المسال، بالتوازي مع استمرار استقبال إمدادات الغاز عبر خطوط الأنابيب، لضمان تلبية احتياجات محطات الكهرباء والقطاع الصناعي خلال فترات ذروة الاستهلاك.
وأكد أن خطة الاستيراد تخضع لمراجعة مستمرة وفقاً لمعدلات الإنتاج المحلي والطلب على الغاز، بما يضمن الحفاظ على استقرار الشبكة القومية للغاز وتوفير الوقود اللازم لكافة القطاعات الاقتصادية.
المصدر: العربية – اقتصاد


