مستجدات في قوة الثلاثي النووي الآسيوي
المعروف أن الهند دخلت النادي النووي فعلياً للمرة الأولى في مايو 1974، وذلك حينما أجرت أول تجربة تفجير لقنبلة نووية تحت الأرض في صحراء ولاية راجستان، تحت اسم «بوذا المبتسم»، ثم أكدت نوويتها في مايو 1998 بإجراء سلسلة تجارب نووية جديدة تحت الأرض تحت اسم «شاكتي».
أما باكستان فلم تدخل النادي النووي رسمياً إلا في 28 مايو 1998، حينما أجرت سلسلة تجارب نووية ناجحة تحت اسم «شاغاي» في بلوشستان، وذلك كرد فعل مباشر على تجارب مماثلة أجرتها الهند قبلها بأيام.
الصين التحقت بالنادي النووي في 16 أكتوبر 1964، حينما نجحت في إجراء أول تجربة تفجير لقنبلة ذرية تحت اسم «مشروع 596» في إقليم تركستان الشرقية، وذلك تحقيقاً لرغبة أعرب عنها مؤسسها ماو تسي تونغ في عام 1955، ثم حققت إنجازاً نووياً آخر في17 يونيو 1967، حينما فجرت أول قنبلة هيدروجينية.
فوجئت القوى النووية الأخرى، وقتذاك، وعلى رأسها الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي بهذه التطورات وسط ذهول عالمي، لكنها قبلتها على مضض، وراحت تراقب الدول الثلاث وتمارس الضغوط عليها حتى لا تشذ عن الخطوط المرسومة.
مذاك شهدت الساحة الآسيوية أحداثاً كثيرة، من بينها حروب ومناوشات بين الهند وباكستان، وبين الهند والصين، حتّمت على الدول الثلاث تطوير قوتها النووية كسلاح رادع ليس إلا، إذ امتنعت عن التهديد بسلاحها النووي، واكتفت باستخدام ما في ترسانتها من أسلحة تقليدية،
مؤخراً نشر معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام تقريراً أفاد بأن الهند وسعت ترسانتها النووية بزيادة مخزونها من الرؤوس الحربية النووية من 180 في العام الماضي إلى نحو 190 في العام الجاري، مدفوعة في ذلك بأمرين:
أولهما استمرار حالة العداء مع جارتها الباكستانية، وثانيهما الحاجة لمواجهة الصين وسياساتها في المحيطين الهندي والهادئ. وبعبارة أخرى فإن الإجراء الهندي جاء كرد فعل للتنافسات الإقليمية القديمة المتجددة وما تشهده الساحة من توترات وحالة من عدم اليقين.
غير أن خبراء السلاح العالميين من الذين علقوا على تقرير معهد ستوكهولم، أفادوا بأن الصين وباكستان لم يقابلا توسعة الهند لترسانتها النووية بعمل مماثل، بقدر ما راحوا يبحثون عن ثغرات في سلاح الهند النووي من أجل تقويض فاعليته.
ومن جهة أخرى علق خبراء آخرون بالقول إنه بينما تقوم الهند بالاستثمار في قدرات نووية تؤمّن لها الضربة الثانية في حال استقبالها لضربة نووية من الصين أو من باكستان.
وتقوم بتطوير أسلحة بعيدة ومتوسطة المدى، وإنتاج مواد انشطارية، ونشر رؤوس حربية متعددة الاستهداف بشكل مستقل، فإن الحروب الأخيرة كالحرب الأوكرانية والحرب الأمريكية الإيرانية أثبت أن السلاح النووي لم يعد سلاحاً استراتيجياً رادعاً، وإنما مجرد سلاح له مفعول نفسي فقط.
وبكلام آخر بات الردع الاستراتيجي غير مضمون، والتهديد النووي غير كافٍ لإيقاف الحروب التقليدية كالقاذفات الاستراتيجية والصواريخ الباليستية والغواصات النووية، تبدو غير فعالة ضد هجمات الطائرات المسيرة رخيصة الثمن، خصوصاً في ظل عزوف القوى النووية عن نشر سلاحها النووي .
حيث إن قواعد المحظور النووي، التي تمّ إرساؤها عام 1945، لا تزال قائمة، وأن القادة الذين يفكرون في استخدام النووي يقابلون بردود فعل عنيفة من المجتمع الدولي، على نحو ما أوضحته الوكيلة الخارجية الأمريكية لشؤون الحد من التسلح سابقاً روز غوتيمولر في مقال بمجلة «فورين بوليسي».
وبالعودة إلى الثلاثي النووي الآسيوي نجد أن تداخل المجالين النووي والتقليدي خلق نوعاً من الغموض ، ففي ما يتعلق بالهند فإنها تحافظ على غموض استراتيجي بخصوص سياستها القائمة على مبدأ عدم البدء باستخدام السلاح النووي، مع التعهد برد انتقامي هائل على أي ضربة أولى تتعرض لها.
في الوقت نفسه غيرت نيودلهي مقارباتها النووية، فصارت، بدلاً من التركيز على منع نشوب الحرب، صارت تركز على إدارة العنف في مستويات أدنى من العتبة النووية.
أما باكستان والصين فتسعى كل منهما إلى تشتيت حسابات التصعيد لدى الهند، مع الحفاظ في الوقت نفسه على هامش للمناورة والضغط والإكراه دون الوصول إلى مستوى الحرب التقليدية الشاملة.
ولئن كانت الهند متوجسة من التفوق النووي الصيني، فإنها – بحسب خبرائها الاستراتيجيين – لا تعير قوة باكستان النووية اهتماماً كبيراً، بدعوى افتقار إسلام آباد لقدرة موثوقة على توجيه ضربة ثانية انطلاقاً من البحر.
نقلاً عن “البيان”
المصدر: العربية – سياسة





