أوقاف الحسكة تتحرك لمعالجة أملاك الوقف والخطاب المتشدد.. هل تنجح؟
عنب بلدي – الحسكة
تشهد محافظة الحسكة، خلال الأشهر الأخيرة، تحركات متسارعة لمديرية الأوقاف، شملت جولات ميدانية في المدن والأرياف، وإعادة تسجيل المساجد، وتفعيل ثانويات شرعية، بالتزامن مع محاولات لإعادة تنظيم ملف أملاك الوقف، وضبط الخطاب الديني في مناطق شهدت خلال السنوات الماضية تعددًا في المرجعيات الدينية والإدارية.
وتأتي هذه التحركات في محافظة عانت، خلال سنوات الحرب، من تراجع حضور المؤسسات الدينية الرسمية، وتضرر عدد من المساجد، إلى جانب بروز تحديات مرتبطة بالخطاب الديني في بعض المناطق التي شهدت نشاطًا لتنظيم “الدولة الإسلامية”، مثل الشدادي والهول ومركدة.
مدير أوقاف الحسكة، محمد الحسين، قال لعنب بلدي، إن المديرية نفذت جولات ميدانية في مناطق خاضعة لسيطرة الحكومة السورية، شملت رأس العين ومركدة والشدادي والعريشة وتل براك وتل حميس واليعربية، بهدف “تعزيز التواصل مع العاملين في المساجد والاطلاع على واقع العمل الدعوي والمشكلات التي تواجهه”.
وأضاف أن الجولات تضمنت لقاءات مع الأئمة والخطباء والعاملين في المساجد، إضافة إلى تقديم منح مالية مؤقتة، وتنظيم عمل المساجد إداريًا، ضمن ما وصفه بـ”المرحلة التأسيسية” لعمل المديرية.
لكن هذه التحركات تفتح، وفق متابعين، ملفات أكثر حساسية تتعلق بواقع الخطاب الديني، وأملاك الوقف، وآليات التعامل مع آثار سنوات الحرب والتحولات الأمنية التي شهدتها المحافظة.
“غياب التأهيل” وتراجع الدور المجتمعي
إمام وخطيب مسجد في ريف الحسكة الشمالي، الشيخ عبد الرحمن العلي، قال لعنب بلدي، إن كثيرًا من المساجد في أرياف المحافظة عانت خلال السنوات الماضية من “ضعف الإشراف الديني وتراجع التأهيل العلمي لبعض العاملين”، نتيجة الظروف الأمنية والانقسام الإداري الذي شهدته المنطقة.
وأضاف أن عددًا من المساجد فقدت دورها المجتمعي خلال فترة الحرب، واقتصر عمل بعضها على أداء الشعائر فقط، في حين توقفت حلقات التعليم الديني في مناطق عديدة، قبل أن تعود تدريجيًا خلال الفترة الأخيرة.
وأشار العلي إلى أن بعض المناطق، خاصة التي شهدت وجودًا سابقًا لتنظيم “الدولة الإسلامية”، لا تزال تحتاج إلى “جهد فكري ودعوي طويل”، معتبرًا أن “مواجهة الفكر المتشدد لا تكون فقط عبر الخطب، بل من خلال التعليم والتأهيل والحضور المجتمعي الحقيقي للمساجد”.
وبحسب مدير أوقاف الحسكة، محمد الحسين، فإن المديرية تسعى إلى تعزيز “خطاب ديني وسطي ومعتدل”، ينطلق من رؤية وزارة الأوقاف التي تؤكد، بحسب قوله، على “وحدة الخطاب الإسلامي وترشيده”.
وقال الحسين، إن المديرية ترى أن “الإسلام الذي جاء به النبي هو دين قائم على الاعتدال والوسطية”، مشيرًا إلى أن الخلافات الموجودة بين المدارس والتيارات الإسلامية السنية “خلافات قديمة”، ما يستدعي “تقريب وجهات النظر وترشيد الخطاب الديني بعيدًا عن الغلو والتشدد أو الإفراط والتفريط”.
وأضاف أن المديرية تسعى إلى “تعزيز خطاب يجمع الكلمة وينبذ التفرق”، مؤكدًا أن المنهج الذي تعمل عليه الوزارة “يقوم على الوسطية والاعتدال”.
المناطق السابقة لتنظيم “الدولة”
تكتسب مسألة الخطاب الديني حساسية خاصة في مناطق مثل الشدادي والهول ومركدة، التي شهدت سابقًا نشاطًا لتنظيم “الدولة الإسلامية”، قبل أن تستعيدها قوى محلية مدعومة من التحالف الدولي.
الباحث في الشؤون الدينية عبد الله الأحمد، يرى أن التحدي في الحسكة لا يتعلق فقط بإعادة افتتاح المساجد أو تنظيمها إداريًا، بل بـ”إعادة بناء الثقة بالخطاب الديني بعد سنوات من الفوضى والتوظيف السياسي والديني”.
وقال الأحمد لعنب بلدي، إن مناطق شهدت حضورًا لتنظيمات متشددة تحتاج إلى “برامج طويلة الأمد لإعادة التأهيل الفكري والاجتماعي”، معتبرًا أن الاكتفاء بالشعارات المتعلقة بالوسطية “لا يكفي وحده”.
وأضاف أن نجاح أي مؤسسة دينية في هذه المناطق يرتبط بقدرتها على “إنتاج خطاب قريب من المجتمع ويعالج المشكلات الاجتماعية والاقتصادية التي أسهمت أصلًا في انتشار التطرف”.
وأشار الباحث إلى أن تعدد المرجعيات الدينية والإدارية خلال سنوات الحرب خلق “حالة من التشتت”، ما يجعل إعادة تنظيم المجال الديني عملية معقدة تتجاوز البعد الإداري.
أملاك الوقف.. ملف معقد
إلى جانب ملف الخطاب الديني، يبرز ملف أملاك الوقف باعتباره أحد أكثر الملفات تعقيدًا في الحسكة، في ظل حديث متكرر عن تعديات ومشكلات قانونية طالت عقارات وقفية خلال سنوات الحرب وتبدل السيطرة على مناطق عدة.
وبحسب مدير أوقاف الحسكة، محمد الحسين، فإن الأملاك الوقفية تتركز بشكل رئيس في مدن الحسكة والقامشلي والمالكية ورأس العين، بينما تعد محدودة في بقية المناطق.
وقال الحسين، إن منطقة رأس العين تعد “المنطقة الوحيدة الخاضعة لسيطرة الحكومة التي تضم أملاكًا وقفية واسعة”، مشيرًا إلى أن هذه الأملاك “تعرضت خلال حقبة النظام البائد إلى تفريط كبير”، وفق تعبيره.
وأضاف أن عددًا من المحال الوقفية “بيع خلال السنوات الماضية، بما فيها محال تعد من أفضل المواقع التجارية”، إلى جانب وجود أراضٍ زراعية وقفية في المنطقة.
وأوضح أن مديرية الأوقاف تعمل حاليًا، بالتنسيق مع الجهات المعنية، على استرداد أملاك الوقف في رأس العين، عبر لجنة مختصة تتابع هذا الملف وتسعى إلى معالجة التجاوزات الحاصلة على الأملاك الوقفية.
كما أشار إلى أن المديرية بدأت عملية حصر للأملاك الوقفية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة، عبر مراجعة الوثائق المتوفرة لدى المديرية أو لدى شاغلي العقارات الوقفية.
وأضاف أن العمل يشمل “تنظيم وتصحيح الأوضاع القانونية للعقارات الوقفية من خلال إبرام العقود وتجديدها وفق الأصول المعتمدة”، بما يضمن، بحسب قوله، “حفظ حقوق الوقف وتنظيم استثماره”.
وقال الحسين، إن المديرية تعتزم، في مرحلة لاحقة، التعاون مع مديرية الأملاك الوقفية في الوزارة ودوائر الاستثمار الوقفي “لوضع خطط مناسبة تسهم في تطوير إدارة الوقف وتعظيم الاستفادة منه بما يخدم العمل الدعوي والمصلحة العامة”.
إعادة تنظيم القطاع الديني
خلال الفترة الأخيرة، أعلنت مديرية أوقاف الحسكة تسجيل 923 مسجدًا في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة السورية، يعمل فيها أكثر من ألفي شخص بين أئمة وخطباء وعاملين.
كما تحدثت المديرية عن إحصاء عشرات المساجد التي تضم حلقات لتعليم القرآن الكريم، إضافة إلى افتتاح “معاهد الفرقان”، وتفعيل ثانويات شرعية في رأس العين واليعربية، مع خطط لافتتاح ثانويات أخرى في الشدادي وتل حميس وتل براك.
هذه الخطوات تعكس محاولة لإعادة إحكام الإشراف الرسمي على القطاع الديني بعد سنوات من التراجع والانقسام الإداري، في وقت لا تزال فيه المحافظة تشهد تغيرات واسعة في بنيتها الإدارية والخدمية.
قال الباحث في الشؤون الدينية عبد الله الأحمد، إن نجاح هذه التحركات “لن يقاس بعدد الجولات أو المساجد المسجلة”، بل بمدى قدرة المؤسسة الدينية على “استعادة دورها المجتمعي وتقديم خطاب متوازن ومعالجة الملفات الحساسة المرتبطة بالتشدد وأملاك الوقف والتعليم الديني”.
في المقابل، تؤكد مديرية الأوقاف أن المرحلة الحالية تتطلب “جهدًا كبيرًا” بعد سنوات من تراجع التعليم والدعوة، وأنها تسعى إلى بناء “عمل متكامل يخدم المجتمع” بالتعاون مع مؤسسات الدولة والمجتمع المحلي.
المصدر: عنب بلدي