قبل مواجهة المونديال.. جزر فوكلاند تعيد التوتر بين الأرجنتين وإنجلترا
أعادت مواجهة الأرجنتين وإنجلترا في نصف نهائي كأس العالم، الأربعاء، إحياء واحدة من أكثر المنافسات سخونة في تاريخ كرة القدم، في وقت عادت فيه قضية السيادة على جزر فوكلاند إلى واجهة المشهد السياسي بين البلدين.
ومثلت المباراة السادسة بين المنتخبين في تاريخ كأس العالم الحدث الأكثر ترقباً منذ لقاء عام 1986 الشهير، عندما أطاح دييغو مارادونا بإنجلترا بهدف “سجله بيده”، بعد أربعة أعوام فقط من الحرب القصيرة والدامية بين البلدين على جزر فوكلاند التي أودت بحياة نحو 900 شخص.
وسعى الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي خلال معظم فترة حكمه إلى تهدئة الخطاب المرتبط بالجزر الخاضعة للسيطرة البريطانية، مبتعداً عن الوعود الحماسية باستعادتها التي تبناها أسلافه من التيار اليساري.
لكن المباراة أعادت القضية إلى دائرة الضوء في وقت بدأت فيه آمال تحسين العلاقات بين لندن وبوينس آيرس تتراجع، مع تعيين وزير خارجية جديد في الأرجنتين، وتنامي الاهتمام بمشروعات النفط في الجزر، إضافة إلى تقارير أشارت إلى احتمال إعادة إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب النظر في دعم واشنطن للموقف البريطاني بشأن السيادة على الجزر المعروفة في الأرجنتين باسم “مالفيناس”، بحسب ما ذكرته “بلومبرغ”، واطلعت عليه “العربية Business”.
وأشعلت نائبة الرئيس الأرجنتيني فيكتوريا فيارييل الجدل عشية المباراة، بعدما كتبت عبر منصة “إكس” أن المواجهة “ليست مجرد مباراة أخرى”، ووصفت الإنجليز بأنهم “قراصنة مغتصبون”.
وأضافت أن مواجهة إنجلترا تمثل أكثر من مجرد كرة قدم بالنسبة للأرجنتينيين، مشيرة إلى جزر مالفيناس وإرث مارادونا وما وصفته بآخر مشاركة لميسي في كأس العالم.
وجدد وزير الخارجية بابلو كيرنو، قبل فوز الأرجنتين على سويسرا في ربع النهائي، مطالبة بلاده بالسيادة على الجزر في مقال صحفي، معتبراً القضية “مصدر قلق يومي” للأرجنتين.
واستند كيرنو إلى دعوات صادرة عن منظمة الدول الأميركية ولجنة الأمم المتحدة الخاصة بإنهاء الاستعمار لاستئناف المفاوضات مع المملكة المتحدة بشأن وضع الجزر، كما رفض الاستفتاء الذي أُجري عام 2013 وصوت خلاله سكان فوكلاند لصالح البقاء تحت السيادة البريطانية، معتبراً أنه “فخ” لا يتمتع بأثر قانوني.
ومثل هذا الخطاب تحولاً مقارنة بالأجواء التي سادت بعد وصول ميلي إلى السلطة في 2023، إذ سبق للرئيس الأرجنتيني أن أشاد برئيسة الوزراء البريطانية الراحلة مارغريت تاتشر واصفاً إياها بأنها من “أعظم القادة في تاريخ البشرية”.
وشهد عام 2024 توقيع اتفاق بين لندن وبوينس آيرس لتحديد هويات جنود أرجنتينيين قُتلوا في الحرب، وتنظيم زيارات لعائلاتهم إلى المقابر، إضافة إلى استئناف الرحلات الجوية المباشرة الأسبوعية إلى الجزر.
لكن مراقبين رأوا أن تعيين كيرنو في أكتوبر الماضي أدى إلى تغيير في توجه السياسة الخارجية الأرجنتينية. وقال بن جودا، الباحث في مركز تشاتهام هاوس والمستشار السابق لوزير الخارجية البريطاني الأسبق ديفيد لامي، إن الحكومة انتقلت من نهج التعاون مع بريطانيا إلى موقف أكثر تشدداً تجاه قضية مالفيناس، ما أضعف فرص التنسيق بين الجانبين.
وارتبط جزء من هذا التشدد بمشروع نفطي بحري يجري تطويره في الجزر. ففي ديسمبر الماضي مضت شركتان أجنبيتان قدماً في خطط تطوير حقل “سي ليون”، وهو ما دفع الأرجنتين إلى اعتبار أي أنشطة استكشاف أحادية الجانب انتهاكاً لقرارات الأمم المتحدة، كما أثار انتقادات نادرة من ميلي نفسه.
وزادت التوترات بعد تسريب مذكرة من وزارة الدفاع الأميركية في أبريل الماضي أشارت إلى أن إدارة ترامب قد تراجع موقفها من وضع الجزر بسبب خلافات مع بريطانيا حول الحرب في إيران.
وأثار التسريب مخاوف دبلوماسية بريطانية، خصوصاً بعدما صرح ميلي بأنه يبذل كل ما هو “ممكن بشرياً” لإخضاع الجزر للسيادة الأرجنتينية. ورغم حصول لندن سريعاً على تطمينات من وزارة الخارجية الأميركية، فإنها واصلت مراقبة الخطاب الصادر من بوينس آيرس عن كثب.
ورغم التصعيد السياسي، دعا مسؤولون وشخصيات رياضية من الجانبين إلى الفصل بين الرياضة والخلافات الدبلوماسية.
وحثت وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر الجماهير على التركيز على المباراة، مؤكدة أن القضايا السياسية المرتبطة بالجزر لم تتغير ولن تتغير بسبب مباراة كرة قدم.
ودخل المنتخب الأرجنتيني بقيادة ليونيل ميسي المواجهة مرتدياً القميص الأزرق تكريماً لانتصار مارادونا في مونديال 1986 بدلاً من القميص التقليدي المخطط بالأبيض والأزرق.
وأكد المدرب ليونيل سكالوني أن المباراة لا تحمل بالنسبة له سوى أبعادها الرياضية، مشيراً إلى أن الهدف الرئيسي يتمثل في السعي لإحراز لقب جديد لميسي في ما يُرجح أن يكون آخر ظهور له في كأس العالم.
كما تبنى النجم الإنجليزي السابق غاري لينيكر، الذي شارك في مباراة “يد مارادونا” الشهيرة، موقفاً مشابهاً، قائلاً إن رغبة المنتخبين في الفوز تنبع من السعي للتتويج بكأس العالم، وليس لإثبات أي نقاط سياسية مرتبطة بأحداث مضى عليها أكثر من أربعة عقود.
ويرى محللون أن تصاعد الخطاب حول جزر فوكلاند ينسجم مع نهج تاريخي اتبعه قادة أرجنتينيون لتعبئة الرأي العام الداخلي، خاصة في وقت تواجه فيه حكومة ميلي ضغوطاً متزايدة بسبب قضايا فساد وتحديات داخلية أخرى.
واعتبر جودا أن المباراة لن تتحول على الأرجح إلى أزمة دبلوماسية كبرى، لكنها تعكس فرصة ضائعة كان يمكن أن تستغلها بريطانيا والأرجنتين لإعادة بناء علاقاتهما خلال السنوات الأخيرة.
المصدر: العربية – اقتصاد




