بيولوجيا البقاء… سر وراء الأرق رغم الإرهاق الجسدي
يعاني كثير من الناس قلة النوم أو الأرق حيث يظل الشخص مستيقظاً حتى منتصف الليل وربما أكثر.، ورغم أنه يعاني من الإنهاك لكن على الرغم من ذلك يرفض عقله التوقف عن التفكير.
فبحسب ما جاء في تقرير أعده ميشيل سبير، أستاذة التشريح في جامعة بريستول ونشره موقع Refractor، تتوالى الأفكار في موجات فيتسأل الشخص، على سبيل المثال، ما إذا كان نسي رسالة إلكترونية أو أي شيء مهم بل ربما يكون هذا هو الوقت الأمثل لعقله لإعادة تشغيل محادثة جرت منذ عشر سنوات على سبيل المثال بدقة مُتناهية.
بيولوجيا البقاء
يُدرك الكثيرون هذه الحالة المُحبطة من “التوتر مع التعب” – الشعور المُتناقض بالإرهاق الجسدي مع عدم القدرة على الاسترخاء الذهني.
لأنه من المُفترض أن يُؤدي التعب إلى النوم تلقائياً، لكن الدماغ لا ينام ببساطة لمجرد أن الجسم مُرهَق، ففي الواقع، تحت الضغط، غالباً ما يحدث الإرهاق والأرق معاً، وجزء من السبب يكمن في بيولوجيا البقاء.
لقد تطورت استجابة الإنسان للضغط النفسي للتعامل مع التهديدات الجسدية المُباشرة. على مر التاريخ البشري، كان الخطر في الغالب شديداً وقصير الأمد – كوجود حيوان مفترس قريب أو خطر بيئي أو صراع مع جماعة بشرية أخرى. في تلك اللحظات، لم تكن أولوية الدماغ الراحة، بل البقاء.

استجابة الجسم الكلاسيكية
عندما يستشعر الدماغ تهديداً، تُفعّل منطقة تُسمى اللوزة الدماغية استجابة الجسم الكلاسيكية للقتال أو الهروب. تُفرز هرمونات التوتر، بما فيها الأدرينالين والكورتيزول. يزداد معدل ضربات القلب ويتسارع التنفس ويشتد التركيز. تُحول الطاقة من مهام الصيانة طويلة الأمد إلى العمل الفوري.
إنها استجابة مفيدة للغاية
فإذا كان الشخص يحاول النجاة من نمر ذي أسنان سيفية. لكنها أقل فائدة بكثير عندما يكون “التهديد” عبارة عن بريد إلكتروني ممتلئ أو ضغوط مالية متزايدة.
ضغوط العصر الحالي
إن الضغوطات الحديثة قوية نفسياً، لكنها غريبة بيولوجياً. على عكس الحيوانات المفترسة، نادراً ما تُحل بسرعة. تستمر رسائل البريد الإلكتروني بالوصول.
يلاحق العمل الأشخاص إلى المنزل عبر الهواتف الذكية وأجهزة الكمبيوتر المحمولة، تُولد وسائل التواصل الاجتماعي سيلاً متواصلاً من المقارنات الاجتماعية واليقظة الدائمة. حتى أوقات الفراغ أصبحت متقطعة بشكل غريب، إذ تُقاطعها الإشعارات والرسائل، وغالباً ما يُتوقع من الأشخاص التواجد الدائم.

فرط استثارة
نتيجةً لذلك، يمكن أن تبقى أجزاء الدماغ المسؤولة عن اليقظة نشطة جزئياً لفترات طويلة. إنه أمر بالغ الأهمية، لأن النوم ليس مجرد غياب اليقظة. يتطلب النوم من الدماغ خفض مستوى اليقظة بشكل فعال. تبقي شبكة من مراكز اليقظة في جذع الدماغ والوطاء والدماغ الأمامي الأشخاص عادةً مستيقظين ومنتبهين خلال النهار. وللانتقال إلى النوم، يجب أن تهدأ هذه الأنظمة.
لكن في ظل الإجهاد المزمن، يمكن أن يعلق الدماغ في حالة فرط استثارة. حتى عندما يكون الجسم منهكاً، يستمر الدماغ في المسح والتوقع والتدرب. من منظور تطوري، يبدو هذا منطقياً إلى حد ما. فإذا كان المحيط يبدو مُهدداً أو غير مستقر، فربما لا يبدو الانقطاع التام عن الإنترنت آمناً.
إن أحد أسباب الشعور بعدم الراحة في هذه الحالة هو أن الإرهاق الجسدي والاستثارة الذهنية يتحكم بهما نظامان متداخلان ولكنهما منفصلان جزئياً. يمكن أن تحتاج العضلات بشدة إلى الراحة بينما يستمر الدماغ في إنتاج اليقظة الناتجة عن الإجهاد. وتكون النتيجة هي ذلك التناقض الغريب الذي يعرفه الكثيرون جيداً، وهو إرهاق الجسم وتسارع الأفكار.
خلل في نمط الكورتيزول
يلعب الكورتيزول أيضاً دوراً هاماً. في الظروف الطبيعية، يتبع الكورتيزول إيقاعاً يومياً، حيث ترتفع مستوياته في الصباح لتعزيز اليقظة، ثم تنخفض تدريجياً مع حلول الليل. يمكن أن يُخلّ الإجهاد المزمن بهذا النمط، مما يُبقي الجسم نشطاً حتى وقت متأخر من المساء.
تشير بعض الدراسات إلى أن الأشخاص الذين يعانون من الأرق يُظهرون نشاطاً أيضياً وعصبياً مرتفعاً حتى أثناء محاولتهم النوم، كما لو أن الدماغ في حالة خمول شديد. يمكن أن تُفاقم الحياة العصرية هذه المشكلة بطرق لم يتطور الجهاز العصبي البشري للتعامل معها.
سلبيات العالم الحديث
يُثبّط الضوء الاصطناعي هرمون الميلاتونين، وهو الهرمون الذي يُساعد على تنظيم توقيت النوم. تُوفّر الهواتف الذكية تحفيزاً معرفياً لا ينتهي في الوقت الذي ينبغي أن يهدأ فيه الدماغ. يجمع التصفح المُفرط للأخبار السيئة بين الإثارة العاطفية وعدم اليقين والجديد، وهي ثلاثة أشياء يصعب على نظام الانتباه البشري تجاهلها. كما أن هناك الاجترار، أي إعادة التفكير بشكل متكرر في المخاوف والمشاكل. يمتلك البشر قدرةً مذهلةً على استحضار المستقبل ذهنياً واستعادة الماضي. تساعد هذه القدرة على التخطيط والتعلم وتجنب المخاطر. لكنها تعني أيضاً أن الدماغ يمكن أ، يستمر في توليد استجابات التوتر لفترة طويلة بعد زوال أي تهديد مباشر.
وتكون المفارقة المؤلمة في أنه كلما ازداد الإرهاق، كلما صعب على الشخص التحكم في مشاعره. فالحرمان من النوم بحد ذاته يزيد من نشاط اللوزة الدماغية، بينما يقلل من تأثير قشرة الفص الجبهي – الجزء المسؤول عن التحكم العقلاني والمنطقي – في ضبط المشاعر.
يصبح الدماغ المُرهَق أكثر حساسيةً للمشاعر، مما يمكن أن يجعل القلق يبدو أشدّ وطأةً في الليل. وبعبارة أخرى، يُضعف الإرهاق الشديد قدرة الدماغ على تهدئة نفسه.
نصائح مفيدة
يوضح الخبراء لمن يعانون من الأرق أن فرط الاستثارة ليس مجرد ضعف في الإرادة، بل هو حالة بيولوجية عميقة تتشكل بفعل أنظمة التوتر والهرمونات وشبكات الانتباه وأنماط اليقظة المكتسبة، مما لا يعني أن الوضع ميؤوس منه.
ويؤكد باحثو النوم غالباً على أن الراحة والأمان مرتبطان ارتباطاً وثيقاً في الدماغ، فالروتين المنتظم وتقليل التحفيز المسائي وممارسة الرياضة والتعرض لضوء النهار والحد من استخدام الشاشات في وقت متأخر من الليل، كلها عوامل تُساعد على تعزيز الإشارات بأن الليل وقت للراحة وليس لليقظة. كما أثبت العلاج السلوكي المعرفي للأرق فعاليته بشكل ملحوظ، ويرجع ذلك جزئياً إلى أنه يستهدف دورة القلق وقلة النوم نفسها.
المصدر: العربية
