شخصيات مرّت في حياتي.. وبقي أثرها
شخصيات مرّت في حياتي.. وبقي أثرها
Faika.Mazraani
Thu, 07/23/2026 – 07:16
لطالما آمنتُ بأن الإنسانَ لا يسيرُ في الحياةِ وحدَه حتى وإن بدا الطريقُ في بعض مراحله فردياً وشاقاً، ففي داخلِ كلِّ واحدٍ منا أثرُ كلمةٍ قيلت في الوقتِ المناسب، وحكمةٌ سمعناها، وموقفٌ شاهدناه، فغيَّر نظرتنا للحياة.
هناك أشخاصٌ نلتقيهم، فننسى تفاصيلَ اللقاءِ، لكنَّنا لا ننسى أبداً كيف جعلونا نشعر، وماذا تغيَّر فينا بعدهم. وبالنسبةِ لي، لم تكن الشخصيَّاتُ المؤثِّرةُ دائماً ممَّن التقيتهم، فبعضُ أعظمِ المعلِّمين نتعلَّمُ منهم عبر سيرتهم، ومواقفهم، والأثرِ الذي تركوه.
ويأتي في مقدِّمةِ هذه الشخصيَّاتِ المغفورُ له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيَّب الله ثراه، فكلما تأمَّلتُ قِصَّةَ دولةِ الإمارات، أدركتُ أن أعظمَ المشروعاتِ تبدأ بإيمانِ إنسانٍ بفكرةٍ يراها الآخرون بعيدةَ المنال. ومن مسيرته تعلَّمتُ أن القيادةَ ليست منصباً، وإنما مسؤوليَّةٌ، وأن الاستثمارَ الحقيقي يبدأ ببناءِ الإنسانِ، لأنه القادرُ على بناءِ المستقبل.
أمَّا والدتي، فكانت مدرستي الأولى في الحياة. منها تعلَّمتُ أن القوَّةَ لا تعني ألَّا نتعب، بل أن نعرفَ كيف نُواصل الطريقَ على الرغمِ من التعب. تعلَّمتُ أن الصبرَ ليس انتظاراً، بل هو شجاعةٌ هادئةٌ، تجعلُ الإنسانَ يُقاوم دون أن يفقدَ نفسه. لقد علَّمتني أيضاً أن هناك معاركَ نخوضها بصمتٍ، وانتصاراتٍ لا يراها أحدٌ، لكنَّها تصنعُ شخصيَّتنا أكثر من أي نجاحٍ مُعلنٍ.
ثم جاءت الحياةُ المهنيَّةُ بتحدِّياتها. دخلتُ عالمَ هندسةِ الطيران في وقتٍ كان فيه الحضورُ النسائي الإماراتي محدوداً جداً، وكنتُ في كثيرٍ من الأحيان المرأةَ الوحيدةَ في المكان! تعلَّمتُ أن الاختلافَ ليس ضعفاً، وأن الإنسانَ عندما يعرفُ لماذا بدأ، يُصبح أكثر قدرةً على تحمُّلِ صعوبةِ الطريق.
وخلال رحلتي، التقيتُ أشخاصاً آمنوا بي، فكان دعمهم جناحاً، حملني إلى الأمام، والتقيتُ آخرين شكَّكوا في قدراتي، فكان شكُّهم وقوداً جعلني أعملُ أكثر، لذا تعلَّمتُ ألَّا أحزن من كلِّ مُن يُشكِّك في قدراتي، فبعضُ الناسِ يدخلون حياتنا ليمنحونا الدعم، وآخرون ليُوقظوا في داخلنا قوَّةً لم نكن نعرفُ أننا نمتلكها.
وبعد سنواتٍ بين الطائراتِ، والمشروعاتِ، والبحثِ العلمي، والابتكارِ، والكتابةِ، والفنِّ، تغيَّر مفهومي للنجاح. في البداياتِ نعتقدُ أن النجاحَ، هو أن نصل، ثم نكتشفُ أن السؤالَ الأهمَّ، هو: ماذا فعلنا بعد أن وصلنا؟ وكم شخصاً ساعدنا؟ وكم باباً فتحنا؟ وكم حلماً شجَّعنا؟
واليوم، لا أرى رحلتي قِصَّةَ امرأةٍ دخلت مجالاً صعباً فقط، بل وهي أيضاً مسؤوليَّةٌ: بأن يكون الطريقُ الذي مشيتُ فيه أسهلَ قليلاً للفتاةِ التي ستأتي من بعدي.
لقد تعلَّمتُ أن الإنسانَ لا يعيشُ بعددِ السنوات، بل بحجمِ الأثرِ الذي يتركه، فقد تنتهي المناصبُ، وتُنسى الألقابُ، لكنَّ كلمةً صادقةً قد تعيشُ في قلبِ إنسانٍ سنواتٍ طويلةً، وفرصةً منحتها لشخصٍ قد تُغيِّر مستقبلاً كاملاً.
لذا أصبحتُ أؤمنُ بأن أعظمَ طموحٍ، ليس أن تكون مشهوراً، بل أن تكون ذا أثرٍ، فلا يكفي أن تصلَ إلى الضوءِ.. الأجملُ أن تترك خلفك طريقاً مضاءً حتى يستطيع الآخرون الوصول أيضاً.
الكاتب
د. سعاد الشامسي
Publication Date
Thu, 07/23/2026 – 07:16
د. سعاد الشامسي
مقالات
المصدر: سيدتي

