طلب قياسي منذ الحرب.. مخاوف الغلاء تشعل الشراء بالتقسيط في مصر
أثار النمو الكبير في نشاط التمويل الاستهلاكي بمصر خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام الجاري تساؤلات بشأن دوافع هذا الارتفاع، ومدى ارتباطه بتداعيات التوترات الجيوسياسية على أسعار السلع، ومخاوف المستهلكين من موجة غلاء جديدة حال استمرار الصراع لفترة طويلة.
وأظهرت بيانات صادرة عن الهيئة العامة للرقابة المالية في مصر، قبل أيام، زيادة كبيرة في حجم التمويلات الاستهلاكية في البلاد منذ بداية العام وحتى نهاية أبريل الماضي، حيث لامست 40 مليار جنيه، مقابل 22 ملياراً خلال الفترة نفسها من عام 2025، بزيادة تجاوزت 81%.
البيانات كشفت عن قفزة في التمويلات الممنوحة خلال شهر أبريل الماضي، حيث بلغت 10.37 مليار جنيه، مقابل 4.5 مليار جنيه في الشهر نفسه من العام الماضي بنمو 128%.
وأرجع محللون وخبراء تحدثوا مع “العربية Business”، هذا التوسع إلى مجموعة من العوامل، في مقدمتها استمرار الضغوط التضخمية وارتفاع أسعار السلع، ما أدى إلى تآكل القوة الشرائية للمواطنين ودفعهم إلى زيادة الاعتماد على أنظمة الشراء بالتقسيط.
وأضافوا أن تصاعد المخاوف من استمرار التوترات الجيوسياسية وانعكاساتها المحتملة على أسعار السلع والدولار، دفع شريحة من المستهلكين إلى الإسراع بقرارات الشراء عند المستويات الحالية للأسعار، تحسباً لموجة جديدة من الزيادات خلال الفترة المقبلة.
تآكل القوة الشرائية
من جانبه، قال رئيس قطاع البحوث بشركة أسطول، مصطفى شفيع، إن المحرك الرئيسي للنمو الكبير الذي يشهده قطاع التمويل الاستهلاكي يتمثل في اتساع الفجوة بين مستويات دخول المواطنين والارتفاع المستمر في أسعار السلع والخدمات، ما دفع شريحة متزايدة من المستهلكين إلى الاعتماد على حلول التقسيط لتلبية احتياجاتهم الأساسية وغير الأساسية.
شفيع أضاف لـ”العربية Business”، أن القوة الشرائية للمستهلكين تراجعت بصورة ملحوظة خلال الفترة الأخيرة في ظل استمرار الضغوط التضخمية، وهو ما جعل السداد النقدي الكامل للعديد من المشتريات أكثر صعوبة، لتصبح أنظمة التقسيط وسيلة لإدارة السيولة، وليس فقط أداة للحصول على التمويل.
“التوترات الإقليمية قد تكون ساهمت في تعزيز هذا الاتجاه خلال الفترة الأخيرة، حيث دفعت بعض المستهلكين إلى تسريع قرارات الشراء المؤجلة تحسباً لارتفاعات جديدة في الأسعار، لكنها ليست المحرك الرئيسي للنمو الذي يشهده القطاع”، بحسب شفيع.
الشراء تحسباً للغلاء
بدورها، قالت رئيس قطاع البحوث بشركة فيصل لتداول الأوراق المالية، إيمان مرعي، إن جزءاً من النمو المسجل في التمويل الاستهلاكي خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام الجاري قد يكون مرتبطاً بإقبال بعض المستهلكين على الشراء قبل حدوث زيادات جديدة في الأسعار، في ظل التوترات الجيوسياسية وما قد تفرضه من ضغوط على أسعار السلع وسعر صرف الدولار.
وأضافت “مرعي” لـ”العربية Business” أن هذه المخاوف دفعت بعض العملاء، خاصة الراغبين في شراء السلع مرتفعة القيمة مثل السيارات والأجهزة المنزلية، إلى تعجيل قرارات الشراء وتثبيت الأسعار الحالية قبل أي زيادات محتملة.
“ارتفاع قيمة التمويلات لا يعني بالضرورة زيادة مماثلة في عدد عمليات الشراء… جزء من النمو المحقق يعكس ارتفاع أسعار السلع نفسها خلال الأشهر الماضية”، وفق مرعي.
النمو الكبير يثير مخاوف التعثر
من جانبه، قال الخبير المصرفي وعضو مجلس إدارة البنك المصري الخليجي، محمد عبد العال، إن توسع نشاط التمويل الاستهلاكي يعكس أيضاً تطور المنتجات التمويلية التي تقدمها البنوك وشركات التمويل غير المصرفية، وهو ما وفر بدائل أوسع أمام العملاء للحصول على احتياجاتهم بنظم سداد مرنة.
وأضاف عبد العال لـ”العربية Business” أن القفزة الكبيرة التي سجلها القطاع خلال أبريل قد تعكس الطلب المؤجل، إذ فضّل بعض المستهلكين تأجيل قرارات الشراء، خاصة للسلع مرتفعة القيمة، انتظاراً لاستقرار الأوضاع، قبل أن يعود الطلب بقوة خلال الفترة الأخيرة.
وتوقع عبد العال أن يعقب هذا النمو القوي فترة من الهدوء النسبي، مع استيعاب السوق جانباً كبيراً من الطلب المؤجل، مشيراً إلى أهمية متابعة معدلات التعثر في السداد، في ظل اعتماد شركات التمويل الاستهلاكي على التمويلات المصرفية، بما يضمن استمرار نمو القطاع بصورة مستدامة.
وحذر عبد العال من احتمالات ارتفاع معدلات التعثر في بعض قطاعات التمويل الاستهلاكي، خاصة تمويل السيارات المستعملة، في ظل المنافسة المتزايدة من السيارات الصينية الجديدة وانخفاض أسعارها.
وأكد عبد العال أن تعزيز الرقابة على عمليات التمويل الاستهلاكي خلال الفترة المقبلة يظل عاملاً أساسياً لضمان نمو القطاع بصورة متوازنة ومستدامة.
المصدر: العربية – اقتصاد