هل يكون الذكاء الاصطناعى بديلًا للإعلاميين والصحفيين؟
ربما يكتب الذكاء الاصطناعى مقالًا بسرعة فائقة، أو خبرًا أو تحليلًا، وربما يصنع صورة وفيديو بدقة متناهية، ورغم ذلك لن يكون بديلًا عن زملاء المهنة، الصحفيين والإعلاميين، إذا نجحوا فى «ترويضه»، فالإعلام يمرض ولا يموت، وكل عصر يفرض أدواته الجديدة.
أهل المهنة يعرفون أن الذكاء الاصطناعى، اقتحم قلب الصناعة الإعلامية دون استئذان، فى كتابة الأخبار، وتحليل البيانات، وإنتاج المحتوى، واقتراح العناوين، ومحاكاة أساليب الكتابة بدرجة مذهلة، وهذا الأمر يثير مخاوف مشروعة بين الصحفيين والإعلاميين من أن تتحول الآلة إلى منافس طارد، يزيد نسبة البطالة والتعطل.
ما يطمئننا أن الصحافة – كما تعلمناها من أساتذتنا – ليست مجرد كلمات مرتبة، ولا جمع للمعلومات وإعادة صياغتها، وإنما هى «البحث عن المتاعب»، وفهم للناس، والقدرة على طرح الأسئلة الصعبة فى اللحظات الحرجة، والصحفى لا ينقل الحدث فقط، بل يفسره ويضعه فى سياقه، ويمنحه معناه الإنسانى. قد ينجح الذكاء الاصطناعى فى كتابة مقال متماسك أو صياغة قصة مؤثرة، لكنه يظل عاجزًا عن إدراك المعانى الإنسانية العميقة، فهو لا يعرف حقيقة الحزن أو الفرح، ولا معنى المحبة أو الكراهية، ولا يشعر بمعاناة أرملة تقف حائرة أمام تعقيدات المعاشات، أو بقلق جماهير الزمالك، أو شكوى ملاك هاسيندا، ولا يملك القدرة على فهم خلفيات أزمة كلاب الشوارع، هو مستودع للبيانات، لكنه لا يمتلك الحس الإنسانى ولا المشاعر ولا الوجدان ولا العواطف.
وهنا الفارق الحقيقى، فالخوارزميات تستطيع التعامل مع كميات هائلة من المعلومات، وتساعد فى إنتاج المحتوى وتحليله، لكنها لا تملك جوهر العمل الصحفى، المتمثل فى الضمير المهنى، وتحمل مسئولية الكلمة، والقدرة على بناء رؤية، وفهم أعمق للإنسان والمجتمع. ومع ذلك، فالخطر الحقيقى لا يأتى من الذكاء الاصطناعى نفسه، بل من الإعلام الذى يرفض استخدامه، أو يفشل فى ترويضه، وأصبح لزامًا على الإعلام التقليدى أن يعيد اكتشاف نفسه، فالصحيفة الورقية والشاشة التليفزيونية والإذاعة، تواجه عالمًا جديدًا، يستطيع فيه «كل مواطن» أن يكون إعلاميًا وصحفيًا ومؤثرًا، عبر هاتفه المحمول، وتغيرت قواعد اللعبة، فلم تعد الشهرة حكرًا على المؤسسات الكبرى، أو امتلاك استوديو ومطبعة، بعد ظهور جيل جديد من صناع المحتوى، وبعضهم له تأثير يفوق مؤسسات إعلامية.
ويبقى للإعلام المهنى أبعاده الإنسانية وبصمته الشخصية، فالصحفى يستطيع أن يجلس أمام مسئول أو خبير أو شخصية عامة، ويطرح الأسئلة، ويلتقط الملامح، ويفهم ما وراء الصمت، والتفاصيل الصغيرة التى تصنع القصة الكبيرة، وهذه المساحات «عصية» على قدرات الآلة.
والمستقبل لن يكون إلا للصحفى والإعلامى الذى يدرك أن الذكاء الاصطناعى شريك لا بديل، فهو أداة قوية تعزز البحث والتحليل والإنتاج، لكنها تظل بحاجة إلى عقل بشرى يفكر، وضمير مهنى يتحمل مسئولية الكلمة، ويصنع الرؤية.
نقلاً عن أخبار اليوم
المصدر: العربية – سياسة





