سقوط “لحظة الخليج”.. ومراجعات ما بعد حرب إيران| ملف خاص
من لا يتعلم الدرس عليه أن يواجه مستقبلا مأزوما تتكرر فيه الأخطاء، وبنتائج أكثر حدة.
في الحرب الأمريكية الإسرائيلية الأخيرة على إيران، سقطت «لحظة «الخليج»، لكن بقيت الدروس والتي إن استوعبتها تلك الدول يمكنها بناء مستقبل أكثر أمانا،
أما إذا لم يحدث ذلك، فإن توقع حدوث الأسوأ، لن يكون حينها من قبيل التخمينات، بل سيناريو ذاتي التحقق.
سقوط هذه اللحظة لم يكن؛ لأن دول الخليج كانت عُرضة فقط للصواريخ والمسيرات الإيرانية، برغم ما أنفق من مليارات الدولارات على السلاح والحماية الأمريكية، بل لأنها عانت بالأساس انكشافا بنيويا متراكما سواء لطبيعتها كدول أو لدورها الإقليمي، الذي منح أولوية لمكاسب ضيقة وآنية على حساب استدامة الأمن الإقليمي.
قبل حرب إيران، لم تحرك دول الخليج ساكنا سوى خطابات الإدانة اللفظية أمام هجوم إسرائيل على قطر، أو الإبادة الجماعية التي ارتكبها المحتل الإسرائيلي ضد الفلسطينيين في حرب غزة. بل على العكس، فقد استغلت هذه الدول النشوة الإقليمية أو فائض القوة لديها خلال العقد الأخير؛ لتتنافس على تمويل المليشيات في مناطق الصراعات حتى ولو على حساب نشر الفوضى في دول كالسودان واليمن وسوريا.
بلغ الأمر مداه، عندما حاولت بعض دول الخليج السيطرة الخليجية على قوى إقليمية كبيرة في المنطقة، بدت منهكة داخليا ومقيدة خارجيا، معتمدة في ذلك على تسييس القوة المالية، والتقارب مع إسرائيل، ودبلوماسية الشيكات مع البيت الأبيض، والتي للمفارقة لم تمنع الأخير من تجاهل الخليج، عندما شن تحالف ترامب ونتنياهو حربا ضد إيران، بدت اختيارية للأول ووجودية للثاني.
لم تدرك دول الخليج، أنها تفتقر للمقومات الهيكلية لقيادة المنطقة بكل منفرد ليس ذلك فقط ؛ بسبب غياب بنية ديموجرافية وازنة فقط، يمكنها بناء جيوش قوية تحمي أوطانها وتكرس هوية وطنية راسخة في المجتمعات، بل لأنها لا تملك نموذجا سياسيا داخليا أو خارجيا، يتأسس على حقوق المواطنة أو أسس السلام والاستقرار الإقليمي، بما يمكنه من التعامل مع أزمات المنطقة التي باتت تحتاج إلى ما هو أكثر من مجرد تدفقات المال الخليجي لصالح نخب زبائنية إقليمية وسياسات الريع النفطي وحملات العلاقات العامة حول القوة الناعمة، التي لا تبني صمودا مجتمعيا حقيقيا في أوقات الأزمات الوجودية.
إن النموذج الخليجي المطلوب لأمن واستقرار المنطقة، من المفترض أن يحوي ترتيبات إقليمية جماعية، تجعل الأمن للكل وليس لدول ومجتمعات على حساب أخرى، كما يحول مبدأ عدم التدخل في الشئون الداخلية من خطاب إنشائي فارغ إلى واقع فعلي، يحترم سيادة الدول ويستوعب حقوق المواطنين والأقليات الطائفية في المنطقة.
لقد طرح سقوط لحظة الخليج في غمار حرب إيران سؤالا صعبا، وهو: إلى أين ستتجه هذه الدول بعد حرب إيران؟ بعدما تكشف لها أن تسليم أمنها للقوات الأمريكية، وتقاربها مع إسرائيل لم يمنع عنها الأضرار الفادحة لتلك الحرب.
يقرأ عبد العظيم حماد الكاتب والمحلل السياسي المشهد الخليجي في إطار مراجعات ما بعد حرب إيران، عبر مجموعة من المقالات التحليلية، التي نُشرت تدريجيا على موقع مصر ٣٦٠، ويعاد نشرها في هذا الملف بالكامل.
لا تقف رؤية حماد عند وصف وتفسير لماذا تراجعت لحظة الخليج وتداعياتها بعد حرب إيران إنما امتدت لبناء اتجاهات مستقبلية للأمن الإقليمي، على أساس مقاربة صريحة تستند إلى معايير الإخوة والانتماء المشترك للخليج مع الدائرة العربية الإسلامية.
و يرى أن الحرب على إيران كشفت عن تحول إسرائيل بدعم من إدارة ترامب من السعي لتوسيع التطبيع عبر اتفاقات إبراهام إلى الهيمنة الإقليمية عبر سياسات السيطرة على المناطق القريبة (غزة ولبنان وسوريا وإضعاف القوى الإقليمية البعيدة (إيران).
من جهة أخري فإن الضغط على السعودية كجائزة كبرى لتحالف نتنياهو- ترامب انتقل من الخفاء إلى العلن، إذ ينظر إلى هذا البلد على أنه الحل والعقدة في آن واحد في مختلف أزمات الإقليم ، بفعل ما يملكه من قوة نفطية، ووضعية جغرافية تجعله معبرا أو معرقلا لأي مشروعات إقليمية ودولية، بخلاف رأس المال الرمزي خاصة الديني.
من جهة ثالثة، فإن فشل مجلس التعاون الخليجي في بناء منظومة أمن جماعي، يرجع إلى المنافسات الداخلية وغياب التنسيق، حتي أن هذا المجلس لم يعقد اجتماعا واحدا في ذروة اشتعال الحرب على إيران، بل إن دول الخليج عرفت سياسات متضادة، بعضها يفتح الباب لإسرائيل كالإمارات والبحرين، والبعض الآخر يقاوم التطبيع كالكويت وسلطنة عمان، بينما تسود حالة من الغموض لدي السعودية ناهيك عن سياسات تحالفية متنافرة فبينما اتجهت السعودية نحو باكستان، فضلت الإمارات الهند.
رابعا وأخيرا فإن دول الخليج تحتاج إلى عقد اجتماعي جديد بين الحكومات والمواطنين، على أساس مبدأ المواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات والمشاركة السياسية، كونه الضامن الأساسي لأمن تلك الدول، فذلك الأمن لايمكن أن يصبح مستداما إذا كان مستوردا.
من تلك الاتجاهات يرى حماد أن مستقبل المنطقة سيتحدد في ضوء ما إذا كانت السعودية ستختار القبول بنظام إقليمي تهيمن عليه إسرائيل بدعم أمريكي، أم ستقود إطارا أمنيا إقليميا، يشمل كل من مصر وتركيا وباكستان، بما يوفر عمقا عربيا إسلاميا، يعالج الصداع الإيراني عبر الحوار بين ضفتي الخليج، وفي الوقت نفسه يجابه الطاعون الإسرائيلي في المنطقة.
هنا يحذر الكاتب من أن بعض دول الخليج، التي زعمت النصر على إيران، لم تدرك بعد الديناميات الجديدة في المنطقة، التي تستدعي تعلم الدرس من الحرب، بل إنها تحول أسئلة مشروعة لدي مواطنيها حول جدوي الإنفاق على سلاح وحماية أمريكية إلى حالة من الغضب تجاه تعاطف مجتمعات أخري في المنطقة مع إيران ، رغم أنها تعلم أن ذلك التعاطف يستند إلى أن طهران تحارب إسرائيل كعدو أول وأخير لهذه المجتمعات .
فهل سيتعلم الخليجيون الدرس ، ويصبح أمنهم بأيديهم، وعبر ترتيبات إقليمية جماعية، أم سيعيدون أخطاء الماضي، انتظارا لانكشاف أكبر في المستقبل؟
هنا تشير الأحداث المتسارعة في المنطقة إلى بزوغ مؤشرات أولية حول رؤى خليجية جديدة لأمن الخليج ما بعد الحماية الأمريكية، لاسيما مع ما كشفته مؤخرا صحيفة وول ستريت جورنال، عن سعي السعودية لإبرام اتفاق عدم اعتداء في الشرق الأوسط مع إيران على غرار “اتفاقية هلسكني” .
مصر 360
لقراءة الملف كاملا:
<p>The post سقوط “لحظة الخليج”.. ومراجعات ما بعد حرب إيران| ملف خاص first appeared on masr360.</p>
المصدر: مصر 360