جديد الحروب الرقمية.. تفاصيل هجمات سيبرانية تضرب أنظمة المياه
شهدت الولايات المتحدة الأميركية تطوراً خطيراً في طبيعة الصراعات الرقمية، عقب تعرض عشرات أنظمة المياه في ولايتي مينيسوتا وميشيغان لهجمات سيبرانية منسقة استهدفت البنية التحتية الحرجة.
واستدعى الأمر تدخل مكتب التحقيقات الفيدرالي والجهات الأمنية لتتبع المهاجمين، في حادثة تؤكد أن الحرب الرقمية لم تعد تستهدف الجيوش أو قواعد البيانات، بل امتدت لتطال الخدمات الأساسية للمواطنين.
استهداف البنية التحتية
وفي تصريحات خاصة لـ”العربية.نت” و”الحدث.نت”، أوضح الدكتور محمد محسن رمضان، رئيس وحدة الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني بمركز العرب للأبحاث والدراسات، أن العالم دخل مرحلة استهداف البنية التحتية الحرجة التي تمثل أساس الحياة اليومية.
وأشار إلى أن السلطات الأمنية فتحت تحقيقات موسعة في واحدة من أخطر الهجمات التي تستهدف قطاع المياه خلال السنوات الأخيرة، لافتاً إلى أن المعلومات الأولية تُظهر مؤشرات تشابه مع أنماط هجمات سبق أن نُسبت إلى جهات مرتبطة بإيران، دون إعلان رسمي عن المسؤولية حتى الآن.

وحول تفاصيل ما حدث، أوضح رمضان أن البيانات الرسمية كشفت تعرض أكثر من 30 منظومة مياه في ولاية مينيسوتا لمحاولات اختراق استهدفت أنظمة التشغيل والتحكم؛ حيث نجح المهاجمون مؤقتاً في تعطيل أنظمة التحكم الإلكترونية الخاصة بمحطة معالجة المياه والآبار في بعض المدن مثل (Braham)، مما اضطر المسؤولين لتشغيل المحطة يدوياً لحين استعادة الأنظمة، فيما تعرضت مدن أخرى مثل (Plymouth) و(Maple Plain) لاستهداف أنظمة الاتصالات والمراقبة.

وقال إنه ورغم نجاح السلطات في الحفاظ على جودة مياه الشرب وعدم تسجيل أضرار صحية بفضل التشغيل اليدوي، إلا أن إعلان ولاية ميشيغان لاحقاً عن استهداف 9 أنظمة مياه إضافية أكد أن الأمر يتعدى الحادث المنفرد إلى حملة سيبرانية موسعة.
وتكمن خطورة هذه الهجمات – بحسب رئيس وحدة الذكاء الاصطناعي – في اعتماد أنظمة المياه الحديثة على منظومات (SCADA) وتكنولوجيا التشغيل (OT) التي تتحكم في ضخ المياه، وضغط الشبكات، ومستويات الخزانات، ونسب المواد الكيميائية المعالجة؛ حيث يُمكن للسيطرة على هذه الأنظمة أن تؤدي إلى تعطيل المحطات وإرباك عمليات التشغيل، مما يجعلها من أكثر القطاعات حساسية لمساسها المباشر بالصحة العامة.
من جانبه، فند اللواء عصام العزب، عضو مجلس الشيوخ المصري، لـ”العربية.نت” و”الحدث.نت”، أسباب تحول محطات المياه إلى هدف مُفضل للمهاجمين مشيراً إلى اعتماد الكثير من هذه المرافق على أنظمة تشغيل صناعية قديمة ومعدات متصلة بالإنترنت دون عزل كافٍ، إلى جانب الميزانيات المحدودة ونقص الكوادر المتخصصة، وهو ما دفع الوكالات الأميركية المختصة للتحذير من ضرورة فصل أنظمة التحكم عن الإنترنت وتعزيز الحماية متعددة الطبقات.
وأضاف العزب أن هذه الحوادث تثبت أن الحرب السيبرانية أصبحت تستهدف استمرارية الحياة ذاتها؛ حيث تحولت مرافق المياه، والكهرباء، والمستشفيات، والمطارات إلى أهداف استراتيجية في الصراعات الدولية، يترتب على اختراقها خسائر اقتصادية وأمنية وإنسانية جسيمة، مما يجعل الأمن السيبراني للبنية التحتية ركيزة أساسية للأمن القومي.
عدم الثقة المطلق
ولمواجهة هذه التهديدات، شدد عضو مجلس الشيوخ على ضرورة تطبيق مبدأ “Zero Trust” (عدم الثقة المطلق) داخل شبكات التشغيل، والفصل الكامل بين شبكات تقنية المعلومات (IT) وشبكات التشغيل (OT)، ومراقبة أنظمة (SCADA) على مدار الساعة، فضلاً عن تحديث البرمجيات، واستخدام الذكاء الاصطناعي لكشف التهديدات، وتدريب فرق استجابة متخصصة للحوادث الرقمية.
واختتم اللواء عصام العزب تصريحاته بأن ما حدث في مينيسوتا وميشيغان يمثل جرس إنذار عالمي يؤكد أن معارك المستقبل تُحسم بقدرة الدول على حماية لوحات التحكم الرقمية التي تدير المرافق الحيوية؛ مؤكداً أن الهجوم قد يبدأ برسالة تصيد واحدة وأن التحول الرقمي دون أمن سيبراني يحوله من كفاءة تشغيلية إلى كارثة، مما يجعل حماية البنية التحتية الرقمية مسؤولية وطنية لا تقل أهمية عن حماية الحدود.
المصدر: العربية

