كيفن وارش مهدد بفقدان المصداقية.. الأسواق توجه رسالة قاسية
في أول اختبار حقيقي لمصداقيته، وجد رئيس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي الجديد كيفن وارش نفسه أمام رسالة قاسية من الأسواق، مفادها أن الكلمات وحدها لم تعد كافية.
ففي ثاني اجتماع له منذ توليه رئاسة الاحتياطي الفيدرالي في مايو الماضي، قررت لجنة السياسة النقدية الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير عند نطاق 3.5% – 3.75%، في قرار حظي بتأييد 9 أعضاء مقابل 3 أعضاء صوتوا لصالح رفع أسعار الفائدة.
لكن القصة لم تبدأ مع قرار تثبيت الفائدة، بل مع المؤتمر الصحافي الذي أعقبه. فبدلاً من أن يطمئن الأسواق، خرج المستثمرون بانطباع مختلف تماماً، انعكس مباشرة في سوق السندات الأميركية.
فقد ارتفع العائد على سندات الخزانة الأميركية لأجل 30 عاماً إلى أعلى مستوياته منذ عام 2007، في حين تراجع العائد على السندات لأجل عامين، في إشارة تعكس رؤية الأسواق بأن الفيدرالي لن يتحرك سريعاً في الأجل القريب، لكنه قد يضطر لاحقاً إلى تشديد أكبر إذا استمر التضخم.
وتحمل هذه التحركات رسالة واضحة من المستثمرين: إذا لم يتحرك الاحتياطي الفيدرالي بقوة اليوم لمواجهة التضخم، فقد يضطر إلى خطوات أكثر عنفاً في المستقبل.
نفس الاختبار
ويواجه وارش بذلك الاختبار نفسه الذي كان قد انتقد فيه سلفه جيروم باول قبل وصوله إلى رئاسة الفيدرالي، عندما اتهمه بفقدان المصداقية في إدارة توقعات الأسواق.
لكن المفارقة أن وارش اختار نهجاً معاكساً تماماً، إذ أنهى سياسة التوجيهات المستقبلية (Forward Guidance) التي اعتاد الاحتياطي الفيدرالي استخدامها لسنوات لتقديم إشارات واضحة للأسواق بشأن مسار أسعار الفائدة.
ويرى وارش أن تلك السياسة قلّصت مرونة البنك المركزي، ولذلك فضّل ترك الأسواق تستنتج بنفسها اتجاه السياسة النقدية اعتماداً على البيانات الاقتصادية، بدلاً من تلقي إشارات مسبقة من الفيدرالي.
غير أن هذا النهج القائم على الغموض جاء بتكلفة واضحة، إذ بدأ المستثمرون بإعادة تقييم رئيس لم يمض على توليه المنصب سوى أسابيع قليلة.
رسالة قوية
وجاءت الرسالة الأقوى من سوق السندات الأميركية، حيث أعادت إلى الواجهة مفهوم “حراس السندات” (Bond Vigilantes)، وهو المصطلح الذي يطلق على المستثمرين الذين يعمدون إلى بيع السندات ورفع عوائدها عندما يرون أن البنوك المركزية أصبحت أقل تشدداً في مكافحة التضخم.
فارتفاع عوائد السندات طويلة الأجل يعني عملياً تشديداً للأوضاع المالية من قبل الأسواق نفسها، عبر رفع تكلفة الاقتراض، وكأن المستثمرين يقولون للاحتياطي الفيدرالي: إذا لم تفرضوا الانضباط على التضخم، فإن الأسواق ستقوم بذلك نيابة عنكم.
ويبقى السؤال المطروح بعد هذا الاجتماع: هل سيتمكن كيفن وارش من الحفاظ على صورته كرئيس متشدد في مواجهة التضخم، أم أن الأسواق بدأت بالفعل في اختبار مصداقيته منذ أيامه الأولى في المنصب؟
ورغم أن رئيس الفيدرالي الجديد قد يحظى بفترة سماح قصيرة باعتباره لا يزال في بداية ولايته، فإن تاريخ الأسواق يشير إلى حقيقة ثابتة: “قد تمنح الأسواق الوقت، لكنها لا تمنح المصداقية مجاناً”.

الخيار الأنسب
وقال شريك ومدير عام مجموعة آبي رود للاستثمار، محرز خير، إن الانتقادات التي يتعرض لها رئيس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي كيفن وارش بسبب تخليه عن سياسة التوجيهات المستقبلية لا تعكس بالضرورة الواقع، معتبراً أن الظروف الحالية تجعل من الصعب على أي رئيس للفيدرالي تقديم مسار واضح للسياسة النقدية.
وأوضح خير، في مقابلة مع “العربية Business”، أن وارش كان معروفاً بموقفه الرافض لهذا النهج حتى قبل توليه رئاسة الاحتياطي الفيدرالي، مضيفاً أن التغير السريع في بيانات التضخم والأسواق من يوم إلى آخر يجعل إصدار توجيهات مسبقة أمراً بالغ الصعوبة.
وأشار إلى أن توقعات الأسواق بشأن رفع أسعار الفائدة تغيرت بشكل كبير خلال أيام قليلة، إذ انخفضت احتمالات رفع الفائدة في ديسمبر من نحو 90% إلى ما يزيد قليلاً على 50%، ما يعكس سرعة تغير المعطيات الاقتصادية.
عوامل داعمة
وفيما يتعلق بالأسهم الأميركية، أكد خير أن موجة الصعود الأخيرة جاءت بدعم من 3 عوامل رئيسية، هي تراجع احتمالات رفع أسعار الفائدة، وانخفاض أسعار النفط بما يخفف الضغوط التضخمية، إلى جانب النتائج القوية للشركات الأميركية، التي سجلت نمواً في الأرباح تجاوز 20% لربعين متتاليين.
وأضاف أن اللافت في الارتفاعات الأخيرة هو اتساعها لتشمل مختلف القطاعات والأسواق العالمية، وليس فقط أسهم التكنولوجيا أو السوق الأميركية، وهو ما يعكس قناعة أوسع لدى المستثمرين باستمرار الزخم الإيجابي.
وعن تقييمات شركات التكنولوجيا، قال خير إنه لا يرى مبالغة مقلقة في الوقت الحالي، مشيراً إلى أن استمرار الإنفاق الضخم من شركات التكنولوجيا الكبرى على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي يدعم هذه التقييمات، وإن كانت الأسواق قد تشهد بعض التصحيحات إذا لم تحقق هذه الاستثمارات العوائد المتوقعة.
المصدر: العربية – اقتصاد




