ما بعد تسليم سلاح حماس
إن التفاهمات التى تمت بالقاهرة بعد يوليو 2026 تمثل تاريخا مهما للقضية الفلسطينية سيظل محفورا فى ضميرها، بعد موافقة حركة «حماس» على ترتيبات تخص نزع سلاحها، فغزة المنكوبة أصبحت اليوم على أبواب مرحلة جديدة، قلوبنا ترجف ونحن نقولها. إن كون غزة منطقة منزوعة السلاح وخالية من التطرف والإرهاب ينتزع من إسرائيل كل حججها الواهية ضد الدولة والقضية، أما المحك الذى وضعه العالم كله بالاعتراف بالدولة الفلسطينية – ك «دولة لا تشكل تهديدا لأحد» – فلم يكن سلاح «حماس» بندقية لتحرير فلسطين، بقدر ما كان مشروعا أيديولوجيا ودينيا وقف العالم كله ضده، أولهم الفلسطينيون، لأن اتجاهاته ارتبطت بجماعة الإخوان، ثم أصبحت بعد ذلك ضمن إطار المحور الإيرانى. زيارة نيتانياهو المتزامنة مع هذا التطور إلى واشنطن لم تعطل المرحلة الثانية من اتفاق شرم الشيخ، وكانت موافقات «حماس» دليلاً على متغيرات مهمة فى التحول الأمريكى الذى يضع مصالح واشنطن فى الشرق الأوسط قبل أجندة نيتانياهو، وتوقيع «حماس» على وثيقة تسليم السلاح ليس اتفاقا جديدا، بل هو تنفيذ لما سبق الالتزام به فى «وثيقة ملادينوف»، وهى خطوة فى الاتجاه الصحيح تضافرت فيها جهود عربية مع القاهرة، بتعويض مجزٍ للكوادر التى ستلقى سلاحها. إن تسليم السلاح إلى اللجنة الوطنية لقطاع غزة أعطى غزة فرصة لالتقاط الأنفاس بالخروج من حالة البؤس جراء حرب الإبادة الإسرائيلية بعد 7 أكتوبر 2023، وعلى «حماس» أن تدرك أن النضال الفلسطينى أكبر بكثير من قطعة سلاح لم تجلب على غزة والقضية إلا الانقسام والنكسات.
المحبون للقضية يدركون أن خطوة «حماس» بمثابة انتصار كبير، فالقضايا العادلة لا تنتصر بالبندقية وحدها، بل بالسياسة وحشد العالم حولها، وتوحيد السلاح الفلسطينى هو هزيمة للأيديولوجيين الذين حاولوا «تديين» قضية التحرر الوطنى. إن خطوة توحيد غزة والضفة قد بدأت فعلياً، ومشروع «غزة الجديدة» يؤسس أيضا لمشروع فلسطينى جديد، وحماس بهذه الخطوة تؤكد أنها تقف فى نفس الصف الذى وقف فيه عرفات ورفاقه عندما أقاموا السلطة الوطنية بعد «أوسلو». فاختفاء السلاح يفتح بابا كبيرا لقضية عميقة اعترف بها العالم كله، ولم يتبقَّ إلا أن تسلّم وتقتنع بها إسرائيل، التى أصبح أمنها وسلامها مرهونين بموافقة الفلسطينيين على دولتهم وحق تقرير مصيرهم.
*نقلا عن “الأهرام“
المصدر: العربية – سياسة





