معركة احتواء الأيديولوجيا
” تتسلل الأيديولوجيا” نتيجة ظروف استثنائية تسهم في صنعها وزيادة تأثيرها وجودها في بيئة مضطربة، بالتالي هي ليست منتجاً ينشأ بما يناسب الضرورات المجتمعية خصوصاً في البيئة العربية التي تستند إلى ثقافة لصيقة تمتد قروناً، ولم تكن طارئة ولا منفصلة تبحث عن وعاء يحتويها، فما تأتي به الثقافات الواردة عبر قوالب جاهزة يبقى حبيساً معزولاً، وما يتسلل منها يبقى حالة مؤقتة غير قادرة على محو القديم المتوارث.
فالعربية نقلت اليونانية والرومانية وأثراً من الهندية وغيرها ووضعتها في مسار التاريخ الإنساني منذ القدم وذلك بما تملكه من سمات وسعة في المفردات، ما جعلها أكبر وعاء للتاريخ البشري منذ تشكله، بالتالي هي ليست لغة ضحلة تغرق في ميزان الكلمات، ولا أسيرة معرفة متواضعة، ولأن موقعها في وسط الحضارات، جعل لها وصاية خاصة تحول دون تشتتها، من هنا جلس عصر الأيديولوجيات متعثراً على أطرافها، بالتالي إن اختراق البيئة العربية ليس قراراً سياسياً، ولا تنفع فيه قوة جبرية، لذلك جاء العبث مكوناً داخلياً بدأته جماعة الإخوان في ثنائية الدين والسياسة، في منهج أحكم صانعوه نقطة البدء ولكنهم بعد مئة سنة، ظل منهجهم على هامش الأمة.
هنا دخلت أيديولوجيا الإخوان، التي حملت ملامح شكلاً دينية بقصد اصطياد الجمهور، ثم خلطت الدين بالسياسة لكي يصبح ما هو سياسي بمثابة ديني، وفق مقولة مؤثريهم أنهم يتقربون الى الله بطاعة قادتهم، وهو مثال بني على أسس أبوية وفق التوصيف السياسي، لأنها طاعة لمن لا يحكم ولا يحق له ذلك. وأما وفق التوصيف الديني فهو مجرد ” كهنوت” استحدثوه بقصد سبي الأمة ووضعها في الجراب، وهذا ما عجزوا عنه، فمعركة الإخوان لم تكن من أجل إطعام الناس ولا حصار الفقر الذي سلبوا أصحابه جزءًا من قوتهم اليومي بحجة نصرة الدين.
لذلك هم بين إحداث الفتنة في الدين والخيانة في السياسة، عندما جعلوا مسألة السلطة من صميم عقيدتهم واعتبروها ركناً من أركان الدين، فأصبحت أركان الإسلام ستة وفق رسالة مؤسس الجماعة في المؤتمر الخامس، وبين الخيانة في منهج السياسة عندما جعلوا جلّ هدفهم اختراق وتقويض عناصر القوة في البلدان العربية المستقرة.
لذلك، فالنظر في داخل الجماعة ما بين المحتوى الديني والسياسي ثمة ترابط عضوي كبير، فإذا خرجت الجماعة بالاتجاه الدعوي فهي تدعو إلى منهجية جديدة مخالفة للإسلام، تذهب بين التأويل والتكفير وتحويل جموع المسلمين إلى قطيع يحكمهم مرشد الجماعة، ما يعني أن الإمساك بالسلطة هو رأس الهرم في العقيدة الدينية لديهم، ما يعني ان مسألة إفراغ الجماعة من المحتوى السياسي لا يلغي خطرهم، لأنه خطر أصيل كامن في البنية، وإذا بقيت الجماعة في مسارها الحالي فهي امتداد لما بدأته في منذ عقود طويلة عبر ما هم مستمرون به اليوم من خلال التوافق مع المليشيات وعموم الجماعات المتطرفة، وموقفهم من الاعتداءات الإيرانية على الدول العربية، كل ذلك يجعل المنهج السياسي واضح المعالم، أن عدوهم الأول هو الدول العربية، وان شركاءهم هم من دمروا عواصم عربية ويستمرون في مأساة الملايين.
إن مسألة إفراغ الأيديولوجيا من جيوب الإخوان ومحاولة استئناسهم والتعايش معهم، أو إحداث عملية تغيير في التركيبة السياسية أو حتى عبر عملية اختراق ثقافي داخل بنيتهم، كل هذه بمثابة معضلة يصعب الوصول إليها، لأن أصل البنية الإخوانية قائمة في البنية المضطربة، لذلك تذهب ملايين الأموال التي انتزعوها تحت مسمى التبرعات نحو تطوير منصات إعلامية قديمة واستحداث جديدة، بهدف تضليل الجمهور عن طبيعة الأزمات والكوارث التي تسببوا فيها، سواء في غزة وغيرها، مع صياغة إعلامية وتوصيف مغاير للحقائق بوصف الجماعات والمليشيات بمسمى” المقاومة” إذ لم تعرف جماعة عبر التاريخ استثمرت هذا القدر الهائل من الأموال في سبيل صناعة النكبات بدلاً من صرفها في مجالات إنسانية بحتة، فالجوع والكوارث الطبيعية وغيرها وسائل استثمار وحياة للجماعة منذ نشأتها، لأنها تحقق دورة المال المنهوب عبر جمع التبرعات التي تحقق دورة الحياة في جسم الجماعة.
بالتالي إن احتواء وتفكيك منهج الاخوان يبدأ حيث ينشأ الاستقرار والأمن، وهو ما تسعى له الدول العربية المركزية، وهو ما تخشاه هذه الجماعة، لأنها لا تستطيع العيش في بيئة مستقرة آمنة.
المصدر: العربية – سياسة





