الرهان الأكبر في الأسواق الأميركية ينتقل إلى مرحلة الحسم
رفع بنك جي بي مورغان مستهدفه لمؤشر S&P 500 بنهاية عام 2026 إلى 8000 نقطة، من تقدير سابق عند 7800 نقطة خلال شهرين فقط، في إشارة إلى تنامي رهانات السوق على قوة أرباح الشركات الأميركية، خصوصاً شركات التكنولوجيا التي بدأت تجني ثمار استثماراتها الضخمة في الذكاء الاصطناعي.
وجاء التعديل الصعودي مدعوماً بتحسن توقعات الأرباح والتدفقات النقدية، إلى جانب مؤشرات متزايدة على تحول الإنفاق الكبير على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي إلى نمو فعلي في الإيرادات لدى كبار مزودي الخدمات السحابية.
من بيع الأحلام إلى بيع الأرباح
اعتمدت قصة الذكاء الاصطناعي خلال السنوات الماضية على إنفاق غير مسبوق من شركات التكنولوجيا على مراكز البيانات والرقائق والبنية التحتية، بينما ظل المستثمرون يتساءلون عن موعد تحول هذه الاستثمارات إلى عوائد ملموسة.
وأظهرت نتائج الأعمال الأخيرة مؤشرات أكثر وضوحاً على بدء هذا التحول، مع تسارع نمو أنشطة الحوسبة السحابية وارتفاع الطلب على خدمات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، ما دفع المستثمرين إلى إعادة تقييم العائد المتوقع من هذه الاستثمارات.
ويرى “جي بي مورغان” أن تحسن الأرباح والتدفقات النقدية لدى شركات التكنولوجيا الكبرى عزز الثقة في قدرة استثمارات الذكاء الاصطناعي على تحقيق قيمة اقتصادية مستدامة.
عمالقة التكنولوجيا يقودون التحول
تظهر الصورة بوضوح لدى شركات مثل ألفابت ومايكروسوفت وأمازون.
فقد سجلت “ألفابت” نمواً قوياً في أعمال Google Cloud خلال الربع الثاني من 2026، مع ارتفاع إيرادات القطاع إلى 24.8 مليار دولار، بزيادة 81.8% على أساس سنوي، مدفوعة بالطلب على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي والتطبيقات التوليدية.
أما “أمازون”، فقد سجلت إيرادات AWS نمواً بنسبة 37% خلال الربع الثاني، وهي أسرع وتيرة نمو في 18 ربعاً، لتصل إلى معدل إيرادات سنوي قدره 169 مليار دولار.
وهكذا بدأت القصة تتغير. لم يعد المستثمر ينظر فقط إلى حجم الإنفاق على الذكاء الاصطناعي، وإنما إلى حجم الإيرادات التي يمكن لهذا الإنفاق أن يولدها.
لماذا يرفع “جي بي مورغان” مستهدف S&P 500؟
استند “جي بي مورغان” في رفع مستهدف المؤشر إلى تحسن توقعاته لأرباح الشركات المدرجة ضمن S&P 500.
ويتوقع البنك وصول ربحية السهم إلى نحو 365 دولاراً في 2026، بزيادة تقارب 35% مقارنة بالعام السابق، قبل أن ترتفع إلى نحو 420 دولاراً في 2027.
ويعني ذلك أن صعود السوق لم يعد قائماً فقط على توسع مضاعفات التقييم، بل بات مدعوماً بنمو الأرباح الفعلية القادرة على تبرير المستويات السعرية المرتفعة.
هل أصبح الذكاء الاصطناعي استثماراً مربحاً؟
الإجابة على هذا السؤال ليست بهذه البساطة. فحتى مع قوة نتائج الشركات، لا تزال هناك علامات استفهام حول قدرة قطاع الذكاء الاصطناعي ككل على تحقيق عوائد تتناسب مع حجم الإنفاق.
وتشير تحليلات حديثة إلى أن شركات التكنولوجيا الكبرى تنفق مبالغ ضخمة على مراكز البيانات والبنية التحتية، في وقت لا تزال فيه الربحية المباشرة من الذكاء الاصطناعي صعبة القياس لدى بعض الشركات، بسبب عدم فصل الإيرادات والأرباح المرتبطة بالذكاء الاصطناعي بصورة واضحة.
وهنا تظهر المفارقة، فالشركات أصبحت تحقق إيرادات أكبر بفضل الطلب على الذكاء الاصطناعي، لكن تكلفة بناء هذه القدرة ترتفع أيضاً.
ولا يتوقف نجاح الرهان على نمو الإيرادات فقط، وإنما على قدرة الشركات على تحويل هذا النمو إلى أرباح وتدفقات نقدية مستدامة.
8000 نقطة.. فرصة أم مصدر للمخاطر؟
لا يعني رفع مستهدف S&P 500 إلى 8000 نقطة أن المؤشر سيصل إليها بالضرورة، كما لا يمثل توصية مباشرة بالشراء، إذ قد تتحول التوقعات المرتفعة نفسها إلى عامل ضغط على السوق.
ومع استمرار صعود تقييمات شركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، تصبح الأسهم أكثر حساسية لأي تباطؤ في نمو الإيرادات أو خيبة أمل في الأرباح.
وأصبحت الأسواق اليوم أقل استعداداً لمنح الشركات وقتاً طويلاً لإثبات جدوى استثمارات الذكاء الاصطناعي، بعدما انتقلت التوقعات من مرحلة الوعود المستقبلية إلى مرحلة اختبار النتائج الفعلية.
وول ستريت لا تشتري الذكاء الاصطناعي فقط
دخلت وول ستريت مرحلة مختلفة لم تعد فيها قصة الذكاء الاصطناعي وحدها كافية لدعم الأسعار، بل بات المستثمرون يطالبون بأدلة مالية واضحة على قدرة هذه التكنولوجيا على تحقيق عوائد حقيقية.
فالإنفاق على الذكاء الاصطناعي يمكن أن يرفع الإيرادات، لكنه في الوقت نفسه يرفع النفقات الرأسمالية ويضغط على التدفقات النقدية.
ولهذا فإن الشركات التي ستنجح في المرحلة المقبلة ليست بالضرورة الأكثر إنفاقاً على الذكاء الاصطناعي، وإنما الأكثر قدرة على تحويل هذا الإنفاق إلى نمو مربح ومستدام.
هل نشتري أسهم وول ستريت الآن؟
رفع المستهدفات من جانب “جي بي مورغان” يعكس تفاؤلاً متزايداً بشأن أرباح الشركات، لكنه لا يلغي مخاطر التقييمات المرتفعة أو احتمالات التصحيح.
والرسالة الأهم للمستثمر ربما لا تكون: “اشترِ الأسهم الآن”، وإنما راقب الأرباح.
فإذا استمر الذكاء الاصطناعي في تحويل الإنفاق الضخم إلى إيرادات وهوامش ربح وتدفقات نقدية، فقد يجد صعود الأسهم الأميركية دعماً من الأساسيات وليس من التوقعات فقط.
أما إذا تباطأ نمو الأرباح بينما استمرت التقييمات في الارتفاع، فقد يكتشف المستثمرون أن السوق كان يشتري المستقبل بسعر مرتفع جداً.
وبهذا التغيير تدخل وول ستريت مرحلة جديدة: لم يعد السؤال من سيقود ثورة الذكاء الاصطناعي، بل من سيستطيع تحويلها إلى أرباح.
المصدر: العربية – اقتصاد





