حفيد راؤول كاسترو.. قصة صعود من حارس شخصي إلى أبرز مراكز النفوذ في كوبا
قبل عقد من الزمن، كان راؤول كاسترو في زيارة دولة رسمية إلى باريس بصفته رئيساً لكوبا، حين لفت ما لفت الانتباه وقتها حارس شخصي ضخم البنية كان من بين مرافقيه.
كان الرجل يلتصق بكاسترو أثناء سيرهما على السجادة الحمراء في قصر الإليزيه، لدرجة أن أحد أفراد الحرس الفرنسي حاول إبعاده. بل إن فرانسوا هولاند، رئيس فرنسا آنذاك، أشار إليه بالعودة. لم يكن الحارس الأمني الذي كان يظهر باستمرار في الصور الرسمية سوى حفيد كاسترو، راؤول رودريغيز كاسترو، وهو عقيد في وزارة الداخلية، بحسب ما ورد في تقرير نشرته صحيفة “نيويورك تايمز” New York Times.
اليوم، أصبح الحارس الشخصي الذي كان مغموراً إلى حد كبير شخصية محورية في محادثات كوبا مع الولايات المتحدة، رغم أنه لم يشغل أي منصب عام. بل إن اسمه طُرح كمرشح محتمل ربما تجده إدارة الرئيس دونالد ترامب مناسباً لتولي زعامة كوبا.
لكن رودريغيز كاسترو، الذي التقى ببعض كبار المسؤولين في إدارة ترامب، ربما يكون قد استغل نفوذه الكبير لحماية عملية تهريب واسعة النطاق، نقلت أشخاصاً من كوبا وأدخلت بضائع غير مشروعة إلى البلاد، وفقاً لمقابلات وسجلات قضائية.
فقد اتُهم رودريغيز كاسترو، البالغ من العمر 42 عاماً، بالمساعدة في تهريب بضائع تم شراؤها ببطاقات ائتمان مسروقة إلى البلاد، وتلقي سلع فاخرة كرشاوى، والسماح لمجرمين مطلوبين بالتجول بحرية في الجزيرة، وذلك وفقاً للمقابلات وسجلات المحكمة.
كانت هذه العملية هدفاً لتحقيق فيدرالي أسفر عن إدانة ما لا يقل عن 21 شخصاً والحكم عليهم بالسجن لعقود. ولم تُوجه أي تهمة رسمية لرودريغيز كاسترو.
يستند تقرير صحيفة “نيويورك تايمز” إلى وثائق المحكمة ومقابلات مع نحو اثني عشر شخصاً إما يعرفون رودريغيز كاسترو شخصياً، بمن فيهم شخص مقرب من المفاوضات مع الولايات المتحدة، أو مطلعين على التحقيق الجنائي الذي ورد اسمه فيه.
ووصف مسؤول كوبي رفيع المستوى هذه الاتهامات بأنها تشهير.
أثار الدور البارز الذي لعبه رودريغيز كاسترو في المحادثات مع إدارة ترامب دهشة بعض المسؤولين الكوبيين الذين كانوا ينظرون إليه كمجرد راع لجده.
ولكن نشر مسؤول في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الكوبي على وسائل التواصل الاجتماعي الشهر الماضي أن رودريغيز كاسترو كان هدفاً لحملة تشويه سمعة في وسائل الإعلام الأميركية، والتي هدفت إلى إظهار الحكومة الكوبية بمظهر المنقسمة.
وبينما يساعد الحكومة الكوبية على تجاوز مواجهتها مع الولايات المتحدة، يقول من تحدثوا إلى رودريغيز كاسترو إنه لم يخف طموحه النهائي في أن يصبح الرئيس القادم لبلاده، على الرغم من أنه من غير الواضح ما إذا كان يحظى بالدعم الداخلي اللازم لذلك.

مهربو البشر الكوبيون
كانت شبكة تهريب البشر تُعرف باسم “المافيا الكوبية في كوينتانا رو”، نسبةً إلى الولاية الواقعة شرق المكسيك حيث كان مقرها. استخدمت الشبكة قوارب مسروقة من فلوريدا لتهريب أشخاص من كوبا كانوا يرغبون في الوصول إلى الولايات المتحدة، وفقاً لوزارة العدل وأعضاء العصابة الإجرامية الذين تعاونوا مع المدعين العامين.
وكان المهاجرون الكوبيون يُنقلون إلى المكسيك، حيث يُحتجزون في بيوت آمنة حتى يدفعوا رسوم التهريب، ويتعرضون للتعذيب إذا لم يدفعوا، وفقاً لشهادات المحكمة.
وأشار اثنان من المتهمين في القضية إلى رودريغيز كاسترو كمتعاون مع المنظمة، وفقاً لسجلات المحكمة ومقابلات مع عدة أشخاص مطلعين على التحقيق. وأقر المتهمان، خوسيه ميغيل غونزاليس فيدال وريينالدو كريسبو ماركيز، بالذنب وحُكم عليهما بالسجن لمدد طويلة لدورهما في المخطط.
وأفاد عدد من الأشخاص المطلعين على القضية أن رودريغيز كاسترو رتب ممرات آمنة للمجموعة من وإلى كوبا، حسبما ذكر أحد قادة المجموعة للمدعين العامين الأميركيين.
ورد اسم رودريغيز كاسترو في قضية رفعتها وزارة العدل الأميركية عام 2020 ضد الجماعة، وفقاً لأدلة جمعها المدعون العامون وأحد الأشخاص المطلعين على التحقيق.
تحدث الأشخاص الذين يعرفون رودريغيز كاسترو شريطة عدم الكشف عن هويتهم حفاظاً على علاقاتهم مع المسؤولين الحكوميين الكوبيين، بينما تحدث المطلعون على القضية الجنائية لمناقشة مسائل قانونية حساسة غير مصرح لهم بالكشف عنها.
ومن غير الواضح ما إذا كان رودريغيز كاسترو مستهدفاً في التحقيق الجاري. وقد امتنعت وزارة العدل عن التعليق.
ووفقاً لبيان اعتراف قُدم إلى المحكمة الفيدرالية كجزء من إقرار بالذنب وقعه غونزاليس فيدال، الذي حُكم عليه بالسجن 25 عاماً، قامت شبكة التهريب بسرقة سفن من جنوب فلوريدا لرشوة مسؤولين أجانب. لم يذكر البيان اسم رودريغيز كاسترو.
لكن سجلات المحكمة تُشير إلى أن غونزاليس فيدال ومتهماً آخر أبلغا السلطات الأميركية أن رودريغيز كاسترو كان من بين المسؤولين الأجانب الذين تسلّموا قارباً مسروقاً. كما نُوقشت هذه المسألة في جلسة علنية.
وفي مقابلة حديثة مع صحيفة “يو إس إيه توداي” USA Today، اعتبرها بعض النقاد ترويجاً ذاتياً، صرّح رودريغيز كاسترو بأنه لا يملك ثروة شخصية. وأضاف أن “أصدقاءه ومعجبيه الأثرياء” هم من تكفلوا بتكاليف ملابسه الأنيقة وسياراته الأجنبية الفاخرة ورحلاته الخارجية الباهظة.
وصف نائب وزير الخارجية الكوبي، كارلوس فرنانديز دي كوسيو، في مقابلة مع صحيفة “ذا تايمز” The Times في هافانا، الاتهامات الموجهة ضد رودريغيز كاسترو بشأن شبكة التهريب بأنها “افتراء”.
وقال مصدر أميركي، مُطلع على المفاوضات الأميركية-الكوبية، إنه على الرغم من مزاعم التهريب، كان يُنظر إلى رودريغيز كاسترو على أنه ممثل جدير بالتفاعل مع إدارة ترامب، لأن ولعه بالممتلكات المادية يوحي بانفتاحه على الأفكار الرأسمالية. كما أن رودريغيز كاسترو لا يعتذر عن أسلوب حياته، بل إنه صرح لصحيفة “يو إس إيه توداي” قائلاً إنه يؤلمه أن “الكثيرين لا يستطيعون العيش” كما يعيش، مشيراً إلى أنه يعمل “يومياً على تغيير هذا الوضع”.

فتى ذهبي من نخبة كوبا
إن رودريغيز كاسترو هو ابن ديبورا كاسترو إسبين، الابنة الكبرى لراؤول كاسترو، والجنرال الراحل لويس ألبرتو رودريغيز لوبيز كاليخا، الشخصية النافذة التي ساهمت في تأسيس التكتل العسكري الكوبي المعروف باسم “غايسا”، والذي يدير جزءاً كبيراً من الاقتصاد الكوبي المتعثر.
كان زواج والديه مضطرباً، لذا أمضى رودريغيز كاسترو، المعروف أيضاً باسم “راوليتو”، معظم طفولته في منزل جديه، وفقاً لما ذكره العديد ممن عرفوه في صغره. كما أن لقبه الشائع هو “إل كانغريخو”، أي “السرطان”، وقد أُطلق عليه هذا اللقب لأنه وُلد بإصبع زائد في إحدى يديه.
وعلى الرغم من جذوره الثورية، إلا أنه ينحدر من عائلة ثرية. كان مولعاً بالرياضات الخطرة والموسيقى ذات الكلمات الجريئة. درس الاقتصاد في “جامعة هافانا”.
كان رودريغيز كاسترو، الذي غالباً ما يُصور وهو يرتدي ملابس فاخرة من تصميم أشهر المصممين، معروفاً على نطاق واسع في شبابه بظهوره في مقاطع فيديو وهو يحتفل في الحفلات الموسيقية، ويقضي وقته على متن القوارب.
وقال أحد أفراد العائلة إنه كان يتنقل أحياناً في أرجاء هافانا بإحدى سيارات BMW التي تعود لجده، الأمر الذي أثار حفيظة البعض ممن اعتبروه انعكاساً سلبياً على صورة البلاد في بلد يعاني شعبه من نقص حاد في الغذاء والدواء والكهرباء.

تمتع رودريغيز كاسترو بامتيازات استثنائية، إذ حضر جميع اجتماعات جده تقريباً، بما يشمل اجتماعه مع البابا الراحل فرنسيس.
بعد أن عمل حارساً شخصياً، أصبح أشبه بمساعد شخصي لكاسترو، الجد البالغ من العمر 95 عاماً، والذي شغل منصب نائب الرئيس لعقود، ثم أصبح رئيساً عام 2006 عندما مرض شقيقه فيدل. ورغم أنه لم يعد يشغل أي منصب حكومي رسمي، يُعتبر راؤول كاسترو على نطاق واسع الشخصية الأقوى نفوذاً في كوبا.
وبعد أن بدأت كوبا اجتماعات سرية مع الولايات المتحدة هذا العام سعياً لإنهاء العقوبات التي فرضتها إدارة ترامب، التقى رودريغيز كاسترو بشكل منفصل مع مدير وكالة المخابرات المركزية جون راتكليف ووزير الخارجية ماركو روبيو.
المصدر: العربية
