“ميتا” و”إنفيديا” تدخلان سباق الذكاء الاصطناعي مفتوح الأوزان
بعدما اجتمعت شركات التكنولوجيا الأميركية الكبرى الشهر الماضي لدعوة صناع السياسات إلى عدم فرض قيود مبكرة على نماذج الذكاء الاصطناعي مفتوحة الأوزان، حتى عندما تكون هذه النماذج صينية، بدأت شركتان من الموقعين على تلك الدعوة التحرك عملياً لمنافسة المختبرات الصينية عبر إطلاق نماذجهما المفتوحة.
وأطلقت كل من “ميتا” و”إنفيديا” هذا الأسبوع نماذج ذكاء اصطناعي يمكن للمطورين تنزيلها مجاناً عبر منظومة المصادر المفتوحة، في خطوة تختلف عن النهج الذي تتبعه نماذج شهيرة ومغلقة مثل تلك التي تقدمها “OpenAI” و”أنثروبيك”.
وتحول الذكاء الاصطناعي مفتوح المصدر إلى قضية مثيرة للجدل تمتد من وادي السيليكون إلى واشنطن، إذ يحذر منتقدون من المخاطر المحتملة التي قد تمثلها النماذج الصينية على الأمن القومي، إلى جانب تقنية التقطير المستخدمة في تدريب وتحسين نماذج الذكاء الاصطناعي، والتي يرى البعض أنها قد ترقى إلى شكل من أشكال سرقة الملكية الفكرية.
في المقابل، ترى غالبية الشركات الكبرى في القطاع أن فرض قيود واسعة على استخدام هذه النماذج قد يضر بالمصالح الأميركية نفسها، ويمنح عدداً محدوداً من الشركات نفوذاً أكبر من اللازم على سوق الذكاء الاصطناعي، بحسب تقرير نشرته شبكة “سي إن بي سي” واطلعت عليه “العربية Business”.
وفي رسالة مفتوحة نشرتها مجموعة من شركات التكنولوجيا في 24 يوليو، قالت إن عصر الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون عصراً للازدهار، وإن الذكاء الاصطناعي مفتوح الأوزان يمكن أن يوسع الفرص، ويعزز المنافسة، ويدعم الريادة التكنولوجية الأميركية، ويحد من المخاطر، ويضمن وصول فوائد هذه التكنولوجيا إلى قطاعات الاقتصاد المختلفة.
أما تقنية التقطير، فوصفها الموقعون بأنها “تقنية مستخدمة على نطاق واسع لتحسين النماذج وتقييمها والتحقق من أدائها”.
“ميتا” تعود إلى الرهان على النماذج المفتوحة
في بداية الأسبوع، أطلقت “ميتا” نموذج Muse Glimmer، ضمن استراتيجية جديدة تهدف إلى إتاحة أقوى نماذجها أمام مجتمع المصادر المفتوحة.
وقال الرئيس التنفيذي للشركة، مارك زوكربيرغ، إن “ميتا” ستفتح أوزان أحدث نماذجها، Muse Spark 1.2.
وتشير “الأوزان” إلى الحسابات والقواعد التي تحدد كيفية عمل نموذج الذكاء الاصطناعي واستجابته وتصرفاته.
وبعدها بيوم، كشفت “إنفيديا” عن نموذج Nemotron 3.5 Lightning، وهو جزء من عائلة Nemotron 3 التي أطلقتها الشركة في ديسمبر الماضي.
وقالت “إنفيديا” إن نماذجها مفتوحة المصدر فعلياً، لأنها تنشر مجموعات بيانات التدريب والأساليب المستخدمة في تطوير النماذج، إلى جانب أوزانها، بما يسمح للمطورين بفحصها ودراستها.
المنافسة الحقيقية تأتي من الصين
لكن “ميتا” و”إنفيديا” لا تزالان بحاجة إلى إثبات وجود طلب فعلي على نماذجهما في سوق تهيمن عليه نماذج قوية من مختبرات ذكاء اصطناعي صينية، مثل “مونشوت” و”ديب سيك”، إلى جانب نموذج Qwen التابع لشركة علي بابا.
ومع ذلك، يبدي آرون ليفي، الرئيس التنفيذي لشركة Box وأحد الموقعين على رسالة الشهر الماضي، تفاؤلاً واضحاً.
ويرى ليفي أن خطة زوكربيرغ لإطلاق أوزان Muse Spark 1.2 تمثل أمراً بالغ الأهمية، نظراً إلى أن النموذج قوي بما يكفي لمنافسة نماذج الأساس الرائدة من “أنثروبيك” و”OpenAI”.
أما النماذج التي أطلقتها “ميتا” و”إنفيديا” هذا الأسبوع فهي أصغر حجماً، ومصممة للعمل على أجهزة اللابتوب لتنفيذ مهام مثل تشغيل وكلاء ذكاء اصطناعي يعملون مباشرة على الجهاز.
وقال ليفي إن هذه الخطوة تمثل “إشارة واضحة جداً إلى أن الولايات المتحدة ستمتلك نماذج مفتوحة المصدر تقترب من حدود القدرات المتقدمة”.
“ميتا” تعيد تجربة Llama
وليست هذه المرة الأولى التي تراهن فيها “ميتا” على هذا المسار.
فقد كانت عائلة Llama نقطة دخول زوكربيرغ الأولى إلى سوق نماذج الذكاء الاصطناعي الأساسية، لكن إطلاق Llama 4 في أبريل 2025 لم يحظَ بالاستقبال المتوقع من المطورين.
وردت “ميتا” على ذلك باستثمارات بمليارات الدولارات لإعادة هيكلة وحدة الذكاء الاصطناعي التابعة لها، كما عينت ألكسندر وانغ، الرئيس التنفيذي لشركة Scale AI، لقيادة القسم.
وفي الفترة الأخيرة، بدأت مجموعة وانغ في طرح نماذج مغلقة تحت علامة Muse، في محاولة لإنشاء مصادر إيرادات جديدة للشركة.
فرصة ضخمة للشركات الأميركية
ويرى ليفي أن الشركات التي تتردد في استخدام نماذج الذكاء الاصطناعي مفتوحة الأوزان القادمة من الصين ستكون أكثر استعداداً لتجربة النماذج التي تطورها “ميتا”.
وأوضح أن المؤسسات الحكومية الكبرى، على سبيل المثال، قد لا تتمكن من استخدام نموذج مفتوح المصدر من خارج الولايات المتحدة، كما أن البنوك الكبرى قد تواجه قيوداً مماثلة.
لكن مع وجود نماذج أميركية مثل Muse، يمكن أن تتوسع فرص الاستخدام بشكل كبير، خصوصاً لدى المؤسسات التي تحتاج إلى التحكم في التكنولوجيا والبيانات.
“ميتا” أمام مشكلة الثقة
ورغم ذلك، تواجه “ميتا” تحدياً مهماً يتمثل في استعادة ثقة المطورين.
وقال أوميش ساشديف، الرئيس التنفيذي لشركة Uniphore المتخصصة في الذكاء الاصطناعي للأعمال، إن “ميتا” أحرقت جسوراً مع مطوري الطرف الثالث عندما انتقلت من استراتيجية الأوزان المفتوحة إلى النماذج المغلقة.
وأضاف أن الأمر سيحتاج إلى أكثر من مقال طويل كتبه زوكربيرغ لإقناع المطورين بالعودة، مشيراً إلى أن بعض المطورين في شركته يشعرون بأن “ميتا” خانت ثقتهم.
ومع ذلك، أكد ساشديف أنه يتمنى نجاح الشركات الأميركية المحلية، لأن زيادة المنافسة ستؤدي إلى خفض تكلفة استخدام النماذج ورفع مستوى الابتكار، وهو ما يصب في مصلحة المستهلكين.
ويتفق مع هذا الرأي تشارلي داي، المحلل في “Forrester”، الذي وصف عودة “ميتا” إلى منظومة النماذج مفتوحة الأوزان بأنها خطوة استراتيجية مهمة تعيد واحدة من أبرز شركات الذكاء الاصطناعي الأميركية إلى النظام المفتوح.
ويرى داي أن المطورين والشركات سيرحبون على الأرجح بهذه الخطوة، لأنها توفر شفافية أكبر، وقدرة أعلى على تخصيص النماذج، ومرونة في نشرها، وسيطرة أفضل على البيانات.
لكن التحدي الحقيقي أمام “ميتا” بحسب المحلل، لن يكون مجرد إطلاق نماذج منافسة، وإنما إثبات قدرتها على بناء منظومة مستدامة من المطورين والشركات حول هذه النماذج.
المصدر: العربية – تكنولوجيا





