مذبحة حلوان فتحت الملف.. تجارة أعضاء في “الدارك ويب” بمصر
قبل أيام، كشفت النيابة العامة المصرية تفاصيل جديدة في القضية المعروفة إعلامياً بـ”مذبحة حلوان“، التي قتل فيها مهندس مصري 4 من أفراد أسرته وأصاب آخر رمياً بالرصاص. وأعلنت النيابة أن المتهم حصل على السلاح الناري والذخائر المستخدمة في الواقعة عبر أحد المواقع على شبكة الإنترنت المظلم “Dark Web”، مقابل مبلغ مالي، قبل تنفيذ الجريمة التي هزت منطقة 15 مايو (جنوب العاصمة المصرية).
لكن تلك الواقعة لم تكن الأولى التي يبرز فيها اسم “الدارك ويب” في جريمة صادمة بمصر.
فقبل أشهر، كشفت السلطات المصرية أن قضية مقتل طفل شبرا ارتبطت بمخطط لسرقة أعضائه والاتجار بها، في قضية ارتبطت بدورها باستخدام الإنترنت المظلم.
ومع توالي الأحكام الصارمة خلال عام 2026 في قضايا ارتبطت بهذا العالم الافتراضي، بات استغلال الفضاء الرقمي في التخطيط للجرائم وتنفيذها واقعاً أمنياً تتعامل معه السلطات.
لكن كيف تتحول الشاشات إلى بوابات للجريمة؟ وكيف تسقط الأدلة الرقمية محاولات الجناة للإفلات من العقاب؟
ليس كل “الدارك ويب” مجرما
في هذا السياق، رأى الدكتور محمد محسن رمضان، رئيس وحدة الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني بمركز العرب للأبحاث والدراسات، في حديثه ل”العربية.نت” و”الحدث.نت”، أن الخطأ الأكبر يكمن في اختزال القضية بجملة سطحية مفادها أن “الدارك ويب مكان للجريمة فقط”.
كما أوضح الفارق بين شبكة الإنترنت الظاهرة والمفهرسة “Surface Web”، والشبكة العميقة “Deep Web” التي تضم قواعد البيانات والمحتوى غير المفهرس، مثل الحسابات البنكية والبريد الإلكتروني، وبين الإنترنت المظلم “Dark Web”، الذي يعتمد على شبكات مصممة لتوفير درجات مرتفعة من إخفاء الهوية.
هذا وأكد رمضان أن التقنيات المستخدمة في الإنترنت المظلم، مثل شبكة “Tor” والتشفير متعدد الطبقات، ليست مجرّمة في ذاتها، وقد تُستخدم لأغراض مشروعة تتعلق بحماية الخصوصية. إلا أن الخطر، وفق قوله، يبدأ عند استغلالها في الاحتيال والابتزاز وبيع البيانات المسروقة وتجارة الأسلحة والمخدرات وغيرها من الأنشطة غير القانونية.

هل يمكن تعقب الجناة؟
كذلك شدد على أن الاعتقاد بأن إخفاء عنوان الإنترنت “IP” أو استخدام العملات المشفرة يوفر حصانة مطلقة للجناة يمثل “خرافة رقمية”. وأوضح أن التحقيق الجنائي الرقمي “Digital Forensics” لا يعتمد على مؤشر واحد، وإنما يجمع ويحلل الأدلة المستخرجة من الهواتف والأجهزة والمعاملات المالية وشبكات البلوك تشين والبصمات السلوكية، وصولاً إلى بناء سلسلة من الأدلة يمكنها كشف هوية المتورطين.
من جانبه، حذر اللواء محمود الرشيدي، مساعد وزير الداخلية المصري الأسبق لأمن المعلومات، من تداخل الحدود بين الجريمة التقليدية والجريمة الإلكترونية، مؤكداً أن التكنولوجيا أصبحت في بعض الحالات بيئة لتمكين الجرائم الواقعية، إذ يبدأ التخطيط والتواصل والتمويل رقمياً، فيما تظهر آثار الجريمة في العالم الحقيقي.

وأشار الرشيدي إلى أن الفضول الرقمي، خصوصاً لدى الشباب، قد يقود إلى بيئات إلكترونية مليئة بالبرمجيات الخبيثة والابتزاز ومحاولات سرقة البيانات، ما قد يحول المستخدم من مجرد فضولي إلى ضحية أو متورط.
كما أكد أن الرسالة الأساسية ليست تخويف المجتمع من الإنترنت، وإنما تعزيز الوعي والحذر، وتجنب المواقع المشبوهة وعدم التفاعل مع الأنشطة غير القانونية، مع الإبلاغ عبر القنوات الرسمية عند رصد نشاط إجرامي. وحذر من التعامل مع الإنترنت المظلم باعتباره عالماً عصياً على القانون، موضحاً أن تطور تقنيات إخفاء الهوية يقابله تطور مستمر في وسائل الكشف والتحليل الجنائي الرقمي وأدوات الذكاء الاصطناعي.
وبذلك، لم يعد الأمن السيبراني والوعي الرقمي مجرد برامج حماية وكلمات مرور، بل تحولا إلى خط دفاع مهم لحماية الأفراد والمجتمع، خصوصاً مع انتقال بعض الجرائم من الشارع إلى الشاشة قبل أن تعود آثارها مجدداً إلى العالم الحقيقي.
المصدر: العربية


