جندي أميركي شارك في حرب فيتنام يتحول إلى ملياردير من قلب الظلام
لم يكن بوب بارسونز يتوقع أن تتحول التجارب التي كادت تدمر حياته إلى الوقود الذي دفعه نحو بناء واحدة من أشهر شركات الإنترنت في العالم. فالرجل الذي يعرفه الملايين اليوم باعتباره مؤسس شركة تسجيل النطاقات الشهيرة “GoDaddy”، عاد من حرب فيتنام محملاً بجراح نفسية استغرقت عقوداً حتى يفهمها ويواجهها.
وعند التجول اليوم في منتجع Scottsdale National الفاخر للغولف الذي شيده وسط صحراء أريزونا بكلفة بلغت مئات الملايين من الدولارات، تبدو حياة بارسونز أقرب إلى قصة نجاح أميركية مكتملة الأركان. لكن خلف الثروة التي تجاوزت مليارات الدولارات تختبئ رحلة بدأت من الفقر، مروراً بساحات القتال، وصولاً إلى عالم ريادة الأعمال.
نشأ بارسونز في أسرة متواضعة بشرق مدينة بالتيمور في ولاية ماريلاند، قبل أن يلتحق بقوات مشاة البحرية الأميركية ويشارك في حرب فيتنام ضمن كتيبة المشاة الأولى. ويصف تلك الفترة بأنها كانت تجربة قاسية لكل من عاشها، تاركة آثاراً نفسية عميقة رافقته لسنوات طويلة بعد عودته إلى الولايات المتحدة.
وفي وقت لم يكن فيه مصطلح اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD) متداولاً أو مفهوماً على نطاق واسع، عانى بارسونز من نوبات غضب مفاجئة وسلوكيات لم يكن يدرك أسبابها. ويقول إن كثيرين من الجنود العائدين من الحرب لم يكونوا يعرفون ما الذي يحدث لهم، في وقت كانت فيه الأمراض النفسية تحاط بقدر كبير من الوصمة الاجتماعية.
ومع مرور السنوات، أدرك رجل الأعمال الأميركي أن تجاهل المشكلة لا يؤدي إلا إلى تفاقمها. لذلك بدأ يتحدث علناً عن تجربته الشخصية، مؤكداً أن الحصول على المساعدة والعلاج يمكن أن يغير حياة المصابين بهذا الاضطراب، بينما يؤدي إهماله إلى نتائج أكثر تعقيداً.
لكن الجانب الآخر من القصة يكشف كيف تحولت الانضباطية التي اكتسبها في الجيش إلى أحد أهم أسرار نجاحه المهني. فقد اشتهر بارسونز بقدرة استثنائية على العمل لساعات متواصلة، وهي السمة التي ساعدته على بناء أول شركة له، Parsons Technology، المتخصصة في برامج الإدارة المالية والضرائب.
وجنى ثمار ذلك عام 1994 عندما باع الشركة إلى Intuit مقابل 64 مليون دولار، وهو مبلغ يعادل نحو 165 مليون دولار بالقيمة الحالية. وبعد 3 سنوات فقط، عاد ليخوض مغامرة أكبر بإطلاق GoDaddy، الشركة التي ستصبح لاحقاً واحدة من أكبر شركات تسجيل أسماء النطاقات واستضافة المواقع في العالم.
وفي عام 2011، باع بارسونز حصة تبلغ 71% من GoDaddy في صفقة قدرت قيمتها بنحو 2.3 مليار دولار، ما رسخ مكانته بين أبرز رواد الأعمال الأميركيين الذين صنعوا ثرواتهم بأنفسهم.
ورغم نجاحه المالي الهائل، يؤكد بارسونز أن الإنجازات المادية لم تكن كافية لعلاج آثار الحرب. ولهذا خصص جانباً من نشاطه الحالي لدعم المحاربين القدامى والتوعية بأهمية الاعتراف بمشكلات الصحة النفسية والسعي إلى علاجها بدلاً من إخفائها.
كما وجد في رياضة الغولف متنفساً ساعده على استعادة التوازن النفسي. ولم يكتفِ بممارسة اللعبة، بل أسس شركة Parsons Xtreme Golf (PXG) المتخصصة في تصنيع معدات الغولف، وأطلق مبادرة PXG for Heroes التي تقدم خصومات واسعة للعسكريين والمحاربين القدامى وعناصر الاستجابة الأولى، تقديراً لخدمتهم.
ويؤمن بارسونز بأن النجاح، سواء في الأعمال أو الحياة، لا يتحقق بقفزات مفاجئة، بل بخطوات صغيرة ومتواصلة. ولهذا يلخص فلسفته بعبارة بسيطة: “تحقيق الحلم الأميركي يشبه أكل فيل… لقمة واحدة كل مرة”.
وبعد عقود من القتال في الحرب والأسواق معاً، يبدو أن الرسالة التي يريد مؤسس GoDaddy إيصالها اليوم تتجاوز عالم الأعمال. فبالنسبة له، لا تكمن البطولة الحقيقية في بناء شركة بمليارات الدولارات فحسب، بل في امتلاك الشجاعة للاعتراف بالجراح الخفية والعمل على التعافي منها، ثم مد يد العون للآخرين حتى يتمكنوا هم أيضاً من “العودة إلى الوطن” نفسياً، وليس جسدياً فقط.
المصدر: العربية – اقتصاد





