الناتو غير مستعد ..ماذا عن دول الخليج؟
في 17 أغسطس، نشرت مجلة “ذا أتلانتيك” مقالاً بعنوان”كابوس الناتو”، حمل تحذيراً استراتيجياً بالغ الأهمية. ففي السيناريو الأكثر رعباً لمخططي الدفاع الغربيين، جرى نقاش هجوم منسق وشبه متزامن: روسيا تضرب دولةً عضواً في الناتو في شرق أوروبا، بينما تشن الصين غزواً على تايوان. الاعتراف الصادم جاء في إقرار الخبراء والمخططين العسكريين في الناتو وأمريكا بأنهم، رغم تحذيرات قادتهم السابقة والمتكررة، “غير مستعدين” لهذا السيناريو، ولا يملكون خطة واضحة للتعامل معه.
ورغم هذا الاعتراف الغربي بالقصور الاستراتيجي، إلا أن هناك دولة تعيش تحت هذا التهديد المباشر يومياً، وقد اختارت ألا تنتظر الإجابات الجاهزة، مفضلةً أن تصنعها بنفسها.
تايوان لا تعتبر الحرب احتمالاً بعيداً تكتفي بتمني ألا تقع، فهي تراها واقعاً محتملاً يجب الاستعداد له، ليس من الناحية العسكرية فحسب، وإنما من خلال بناء درع مجتمعي متماسك كضمانة لعدم وقوع هذا السيناريو أساساً.
والسؤال الاستراتيجي الذي يجب أن يشغلنا في الخليج اليوم هل تستعد دولنا لليوم الذي قد يحاول فيه خصم إقليمي، مثل إيران، تحويل التهديد العسكري إلى مواجهة فعلية؟ أم أننا لا نزال نراهن حصرياً على أن قوة الردع العسكري، أو الاتفاقيات الأمنية، وحدها كفيلة بمنع ذلك؟
المقارنة بين الخليج وتايوان ليست متطابقة بطبيعة الحال؛ فالجغرافيا مختلفة، وطبيعة التهديدات متباينة، وحسابات القوى الكبرى لها أبعادها الخاصة. لكن هناك درساً واحداً بالغ الأهمية يجب استيعابه: الدولة التي تدرك أن خصمها قد يختبر دفاعاتها في لحظة مفاجئة، يجب ألا تنتظر دوي صفارات الإنذار كي تبدأ الاستعداد.
في تايوان، تحول الاستعداد للحرب إلى مشروع وطني متكامل يشارك فيه آلاف المواطنين. خلال تدريبات “هان كوانغ” التي أجريت مؤخراً، طبقت تايوان محاكاة سيناريو شامل يبدأ من الضغط في “المنطقة الرمادية”، مروراً بالهجمات السيبرانية على البنية التحتية، وصولاً إلى الحرب المفتوحة.
التفصيل الأكثر إثارة للاهتمام في تلك التدريبات تمثّل في استخدام “الإنترنت” كساحة معركة فعلية. لقد تعمدت السلطات التايوانية إبطاء شبكات الهاتف المحمول في مناطق واسعة لتصبح أقرب إلى الرسائل النصية البطيئة، لمحاكاة انقطاع الاتصالات الفعلي أثناء الحرب.
الفكرة هنا أعمق من مجرد مناورة تقنية. تايوان تفترض أن الحرب ستكون شاملة، وتدرك تماماً أنها ستدور أيضاً داخل الهاتف الذي في يد المواطن، وفي شبكات الكهرباء، ومحطات المياه. وهذا بالضبط ما ينبغي أن يشغل التفكير الاستراتيجي في الخليج. دول الخليج تمتلك قوات مسلحة متطورة، ومنظومات دفاع جوي وصاروخي من بين الأحدث في العالم، وعلاقات أمنية وثيقة مع حلفاء دوليين. لكن القوة العسكرية، مهما بلغت، لا تحل وحدها مشكلة “الصمود الوطني”.
وإذا اندلعت مواجهة إقليمية، فلن تكون الصواريخ والطائرات المسيّرة هي الخطر الوحيد. التهديد سيطال شبكات الكهرباء، ومحطات التحلية، والمطارات، والموانئ، والمراكز المالية، وسلاسل الإمداد. لقد شاهدنا ذلك عندما استهدفت إيران محطات الكهرباء والمياه في الكويت والبحرين.
والسؤال: ماذا سيحدث إذا تعطلت الاتصالات لأيام طويلة؟ كيف يتصرف المواطن إذا انطلقت صفارات الإنذار؟ كيف تستمر محطات الوقود والمخابز في العمل؟ من يضمن انسيابية الغذاء والمياه؟ وكيف تعمل المستشفيات إذا واجهت تدفقاً مفاجئاً لآلاف المصابين؟ وماذا سيحدث لو تزامنت الضربات مع انتشار آلاف الرسائل الكاذبة والمقاطع المفبركة عبر وسائل التواصل الاجتماعي لخلق فوضى عارمة؟
هذه الأسئلة الوجودية تحتاج إلى مجتمع مدرَّب، ومؤسسات مدنية مستعدة، وخطط طوارئ يجري اختبارها دوريًّا على أرض الواقع، وليس على الورق فقط. نحن بحاجة إلى الانتقال من مفهوم “الدفاع الجوي” إلى مفهوم “الصمود الوطني”. وهذا يعني أنه إذا تعرضت منشأة نفطية لهجوم، فالقضية تتجاوز مجرد حماية المنشأة، لتشمل قدرة الدولة على استمرار الإنتاج من بدائل أخرى وإصلاح الأضرار فوراً. وإذا تعطلت شبكة الاتصالات، يجب أن تعمل الشبكات البديلة بتلقائية. وهذا يتطلب أن يطور الخليج نسخته الخاصة من المناورات الوطنية الدورية، التي تشارك فيها وزارات الداخلية والصحة والطاقة والتعليم والبلديات وشركات الاتصالات والقطاع الخاص، لاختبار سيناريوهات حقيقية: كإخلاء أحياء سكنية، ونقل مستشفى كامل إلى منشأة بديلة، والتعامل مع هجوم سيبراني واسع النطاق وحملات تضليل واسعة.
تايوان ترى أن المركزية المفرطة هي من أخطر نقاط الضعف في أي دولة حديثة، وتختبر توزيع القيادة والسيطرة وتوزيع الإمدادات، بحيث لا تؤدي الضربة الأولى على مركز رئيسي إلى شلل عام. المرونة تعني أن يكون لكل قطاع حيوي بدائله الجاهزة للعمل فوراً. هذا لا يعني تحويل الدفاع الوطني إلى قضية مجتمعية مثل عسكرة المدنيين. فالمواطن ليس جندياً، ولكنه حجر الزاوية في خطة الدفاع ومواجهة الأزمات. المطلوب أن يعرف أين يذهب، وكيف يتصرف، وكيف يستقي المعلومات من مصادرها الرسمية لقتل الشائعات. الاستعداد الجيد يقي من الهلع ويزرع الطمأنينة؛ لأنه يحول المجهول المخيف إلى سلسلة من الإجراءات الواضحة والمعروفة سلفاً.
والحال أن السعودية ودول الخليج لا تبحث عن إعلان حرب على أحد، ولا تحتاج إلى تصعيد خطابي. لكن أفضل طريقة لمنع الحرب هي أن نجعل خصمنا يدرك سلفاً أن المجتمع الذي سيواجهه لن ينهار من الضربة الأولى. وهنا تكمن القيمة الحقيقية للتجربة التايوانية. تايوان لا تستطيع منع الصين من التفكير في الحرب، لكنها تستطيع أن تجعل تكلفة الحرب أعلى، وأن تجعل احتمال تحقيق أهدافها أمرًا بالغ الصعوبة. وهي ترى أن الردع الحقيقي لا يكتمل أبدًا إلا عندما يعلم الخصم أن خلف هذه الأسلحة دولة ومجتمعاً جاهزين للصمود، وعصيين على الانكسار.
المصدر: العربية – سياسة





