صخب الشاشات ووهم التحليل الرغائبي
يتابع المشاهد العربي في الفضاء الإعلامي والبرامج الحوارية تصاعداً لافتاً لظاهرة التفكير الرغائبي، حيث تتراجع القراءات الاستراتيجية والعسكرية الموضوعية لصالح الترويج للأمنيات وتزيين الأوهام. لم يعد التحليل السياسي لدى شريحة واسعة من المتصدرين للشاشات جهداً معرفياً يستند إلى موازين القوى، وحسابات الردع، والإمكانات الواقعية على الأرض؛ بل تحول إلى محاولات مستمرة لإعادة تشكيل الواقع وفق ما يشتهيه المعلق أو ما يطلبه الجمهور، متجاهلين أن إدارة الصراعات وبناء السياسات لا تخضعان لمنطق الرغبات.
هذا النمط من التناول لا يعدو كونه نقلاً مباشراً لأحاديث المجالس وتجاذباتها العاطفية إلى الفضاء العام. وبدلاً من أن تؤدي وسائل الإعلام دورها المفترض في تقديم خلاصات رصينة ترتكز على المعلومات الموثقة وسياقاتها الاستراتيجية، بات بعض المحللين عالة على المتلقي، يكررون انطباعات شائعة ويغذون فهماً قاصراً للأحداث. يفترض بالمتابع أن يجد في هذه المنابر منصات ترفع من مستوى وعيه، وتشرح له المشهد كما هو، لا كما يتمنى أن يكون، ليتشكل لديه إدراك ناضج يعينه على فهم تحديات مجتمعه وأداء واجبه الوطني بمسؤولية وثبات أمام الأزمات.
وفي العديد من البرامج الحوارية التي تستضيف وجوهاً متعددة، نجد الضيوف ينخرطون في معارك لفظية بحماسة مفرطة، يصور للمتابع أن الانتصار في هذا الجدال، عبر إفحام الخصم، سيؤثر فعلياً على الحقائق الصلبة القائمة على الأرض. ويمثل هذا المشهد إحدى أخطر النقاط تأثيراً على الوعي العام للجماهير، التي تجد نفسها تتابع حرباً لفظية استعراضية كبديل زائف عن الحرب الحقيقية الدائرة على الأصعدة العسكرية والسياسية والاقتصادية، وكأن كسب الجولة على الشاشة يعادل كسبها في الميدان.
تتفاقم خطورة هذا الخطاب الإعلامي حين يتقاطع مع نقاشات منصات التواصل الاجتماعي؛ فالشاشات تغذي المنصات بالرغبات المؤدلجة، وتعود المنصات لتعيد تدويرها بحدة واستقطاب أعلى، مما يخلق بيئة رقمية مغلقة ترفض الحقائق الصادمة وتطارد الأصوات المتزنة. وفي هذه الدائرة المغلقة، يتحول التقييم الواقعي للأخطار إلى ما يشبه التخاذل في نظر العوام، بينما يُحتفى بالتهويل والوعود الجوفاء بوصفها قمة الشجاعة والوعي.
ورفع المعنويات أو الواقعية في النظرة للخصم كلاهما لا يتعارض متى ما استند إلى قراءة رصينة، غير أن الخلط بين رفع الروح المعنوية وتخدير العقل الجمعي بالأوهام يمثل خيانة للمسؤولية الإعلامية. فالمعنويات الصلبة لا تُبنى على استصغار قدرات الخصم أو إنكار معطيات الميدان، بل تتأسس على إدراك حجم التحديات والتعامل معها بشفافية. وفي المقابل، فإن الواقعية لا تعني الانهزامية بأي حال، بل تعني التقييم الدقيق لموازين القوى بما يتيح تجنب المغامرات غير المحسوبة التي قد تكلف المجتمعات أثماناً باهظة.
إن تزييف الواقع باسم التفاؤل يمثل خطراً حقيقياً على الأمن المجتمعي والفكري؛ فالأمم الواعية تبني استراتيجياتها على أسوأ السيناريوهات المحتملة، وتتعامل مع موازين القوى بحسابات دقيقة لا تحتمل المجاملة. والواجب الوطني يقتضي اليوم مواجهة هذا الطوفان من التحليلات الرغائبية، وإعادة الاعتبار للعقلانية والموضوعية كمدخل وحيد لفهم الأزمات ورفع مستوى الوعي العام لرفد المتلقي بمادة فكرية تساعده في أداء واجباته الوطنية.
نقلاً عن الشرق الأوسط
المصدر: العربية – سياسة





