20 غشت 1953: يوم تحوّل فيه النفي إلى ثورة
لم يكن يوم 20 غشت 1953 يوماً عادياً في تاريخ المغرب.
ففي مثل هذا اليوم من 73 سنة، اتخذت سلطات الحماية/الاستعمار الفرنسية قراراً كانت تعتقد أنه سيضع حداً لتصاعد الحركة الوطنية: إبعاد السلطان الشرعي سيدي محمد بن يوسف عن بلاده، وتنصيب محمد بن عرفة مكانه.
لكن ما حدث بعد ذلك سار في اتجاه مختلف تماماً.
ففي السنوات التي سبقت هذا التاريخ، كانت المطالبة بالاستقلال قد أخذت تتسع، وأصبح السلطان محمد بن يوسف يحظى بمكانة متزايدة باعتباره رمزاً للسيادة الوطنية، في وقت كانت فيه سلطات الحماية تسعى إلى احتواء الحركة الوطنية والحفاظ على نفوذها في المغرب.
ومع اشتداد الخلاف، تصاعد الضغط على السلطان من أجل التراجع عن مواقفه، قبل أن تصل الأزمة إلى لحظتها الحاسمة صيف سنة 1953.
وفي 20 غشت، اقتيد السلطان محمد بن يوسف وأفراد من أسرته خارج المغرب. نُفي أولاً إلى كورسيكا، ثم إلى مدغشقر، حيث ظل بعيداً عن وطنه إلى أن عاد في نونبر 1955.
كان الهدف واضحاً: إبعاد السلطان عن شعبه، وإضعاف الحركة الوطنية، واحتواء المطالبة بالاستقلال.
لكن النتيجة جاءت عكسية.
فخبر النفي أشعل الغضب في مختلف أنحاء المغرب، واتسعت دائرة المقاومة ضد سلطات الحماية. وتحول السلطان المنفي إلى رمز للمقاومة، وأصبح الدفاع عن عودته مرتبطاً بالدفاع عن استقلال البلاد.
ومنذ ذلك اليوم، دخل المغرب مرحلة جديدة، تصاعدت خلالها المقاومة السياسية والمسلحة، وتزايد الضغط على سلطات الحماية، إلى أن أصبحت العودة إلى الوضع السابق أمراً بالغ الصعوبة.
وبعد أكثر من عامين من النفي، عاد السلطان المجاهد, الملك محمد الخامس إلى المغرب في 16 نونبر 1955، وسط استقبال شعبي كبير. وكانت عودته إيذاناً بانطلاق المرحلة الأخيرة نحو إنهاء نظام الحماية، وصولاً إلى استقلال المغرب سنة 1956.
لهذا، ف20 غشت 1953, ليس مجرد تاريخ لنفي السلطان، بل أصبح في الذاكرة المغربية لحظة فارقة: يوم أرادت سلطات الحماية أن تفصل الملك عن شعبه، فإذا بها تزيد من قوة الرابط بينهما.
ومن هنا جاءت تسمية ثورة الملك والشعب؛ ثورة لم تبدأ بانتهاء النفي، وإنما بدأت، في جوهرها، يوم حاول المستعمر أن يجعل من نفي السلطان نهاية للمقاومة، فتحول النفي إلى بداية مرحلة جديدة من الكفاح من أجل الحرية والاستقلال.
20 غشت: ذكرى تؤكد أن بعض القرارات التي تُتخذ لإخماد التاريخ، قد تصبح هي نفسها الشرارة التي تصنعه.
المصدر: اليوم 24


