السعودية وفرنسا.. شراكة استراتيجية تلقي بظلالها على استقرار المنطقة
في ظل ظروف تاريخية عصيبة تعيشها المنطقة، يزور ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي الأمير محمد بن سلمان فرنسا، في زيارة قالت عنها الرئاسة الفرنسية إنها “تنسجم في إطار التعاون الوثيق بين الرياض وباريس”.

وتكتسب العلاقات أهمية خاصة في ظل تسارع التغيرات الدولية والإقليمية التي تتطلب تبادل الآراء وتنسيق المواقف بين المملكة والدول الصديقة التي تتبوأ فرنسا منها موقعاً متميزاً.
حسب الإليزيه، سيبحث القائدان القضايا الرئيسية ذات الأهمية الإقليمية، في إطار التعاون الوثيق بين فرنسا وشركائها في الخليج، دعماً للاستقرار والسلام في الشرق الأوسط.
تكتسب زيارة الأمير محمد بن سلمان إلى فرنسا عقب زيارته الأخيرة في منتصف يونيو 2023، دلالات متعددة، إذ تأتي في خضم توقيت إقليمي يتسم بالحساسية على وقع تأثيرات التصعيد الأميركي – الإسرائيلي ضد إيران بالمنطقة، وما رافقه من تأثير على أمن الطاقة وسلاسل الإمداد، وحرية الملاحة.

وتنسجم الزيارة في التوقيت الذي تشهد العلاقات مستوى من الشراكة الاستراتيجية والتعاون الدبلوماسي المشترك لمعالجة مصادر التوتر في الشرق الأوسط، على غرار تطورات لبنان، وإيجاد حل لمستقبل الدولتين، فضلاً عن الأزمات الإقليمية الأخرى، بجانب تطوير إطار الشراكة ذاته.
وتعد باريس شريكاً استراتيجياً أوروبياً للرياض، وقوة سياسية وعسكرية دائمة العضوية في مجلس الأمن، وتمتلك قدرة مستقلة نسبياً على التحرك في الشرق الأوسط.
وتحرص فرنسا على شراكتها مع المملكة وتعتبرها “حليفاً وثيقاً” إذ تعزز الحفاظ على الأمن والسلم الإقليمي واستقرار المنطقة، لذا تعمل القيادة الفرنسية على التشاور مع القيادة في المملكة بشأن القضايا والأزمات الراهنة وسبل معالجتها.
وعلاقة المملكة بالجمهورية الفرنسية ليست طارئة، أو وليدة اليوم، بل ذات جذور تاريخية، رُسمت ملامحها عام 1926م، عندما أرسلت فرنسا قنصلاً مكلفاً بالأعمال الفرنسية لدى السعودية، ثم أنشئت بعثة دبلوماسية في جدة عام 1932م.
وتوالت خطوات إرساء العلاقات، إذ دخلت مرحلة جديدة عقب زيارة الملك الراحل فيصل بن عبدالعزيز لفرنسا عام 1967م، ولقائه الرئيس الفرنسي شارل ديغول، فقد مثلت تلك الزيارة دعماً وتطوراً، شمل مجالات أرحب، و حقق مصالح مشتركة للبلدين.

من فيصل وشارل ديغول إلى اليوم
أسهم لقاء الملك فيصل بن عبد العزيز بشارل ديغول، ببناء أرضية خصبة وصلبة للعلاقات السعودية الفرنسية، استمرت حتى اليوم، في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وولي العهد الأمير محمد بن سلمان.

تجديد العهود
وجدد البلدان ارتباطهما التاريخي، بخارطة طريق تُعنى بمواصلة الشراكة الاستراتيجية، إضافةً إلى توقيع مذكرة تفاهم لتشكيل مجلس الشراكة الاستراتيجية، في ديسمبر (كانون الأول) من عام 2024، خلال زيارة قام بها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون للرياض، وبنَت العاصمتان آنذاك إطاراً شاملاً، من شأنه العمل على تعزيز وتعميق العلاقات بينهما في العديد من القطاعات الاستراتيجية والواعدة في البلدين.
شمولية الاتفاق
الاتفاقية التي وقعتها الرياض وباريس وقتذاك، اتفاقية شمولية، لارتباطها بمجالات عديدة، كالتنمية البشرية، والاجتماعية، والثقافية، والاقتصادية، والتقنية والتعليم، والبحث العلمي، والذكاء الاصطناعي، إضافة إلى أمن ودفاع كل منهما، والأمن والاستقرار الإقليمي والدولي، وهما أحد الشروط الرئيسية للشرق الأوسط، وأوروبا، للحفاظ على الرخاء الاقتصادي والاجتماعي ونمائه، مروراً بمعالجة التحديات العالمية، وفي مقدمتها الصحة العالمية، والحفاظ على التنوع البيولوجي، والوصول العالمي إلى المياه النظيفة.
ملفات التلاقي بين باريس والرياض
في سياق متصل، ينعكس التوافق السعودي – الفرنسي على معالجة ملفات سياسية متعددة على غرار القضية الفلسطينية، والملف السوري، والأزمة اليمنية، وأمن الخليج.
وتعد السعودية شريكاً لفرنسا من ناحية الطاقة والنفط، والاقتصاد بجذبها لشركات فرنسية وجدت بالنهضة غير المسبوقة التي تعيشها المملكة، حزمة منافع اقتصادية ضخمة، من خلال تنفيذ مشاريع عملاقة، تُعد عاملاً مساعداً لنموها، وانعاكساً على نمو الاقتصاد الفرنسي بالمحصلة النهائية.
الشراكة الدفاعية بين الرياض – باريس
حين يذكر مصطلح الدفاع؛ ينقاد البعض لفهمه في إطار الحماية المطلقة من فرنسا إلى السعودية، غير أن جوهر الأمر يتجسد بأن الشراكة الدفاعية تعني تعدد مصادر التسليح بدلاً من الاعتماد على مصدر واحد، وفرنسا بالتالي توفر للسعودية، البديل الأوروبي في شأن الصناعات الدفاعية، والصيانة، والتدريب، الأمر الذي يمنح المملكة مرونة استراتيجية أكبر، في علاقاتها الدفاعية مع القوى الكبرى في العالم.
تهدئة النزاعات.. السياسة حاضرة
وبعيداً عن مسائل الدفاع، تفرض السياسة نفسها على مشهد العلاقات السعودية – الفرنسية، إذ تجتمع الرياض وباريس عند ضرورة بذل الجهود لإخماد حرائق المنطقة والعالم، وتنفيذ كافة أساليب التهدئة المستديمة للنزاعات.
مكافحة الإرهاب
ولا يتوانى البلدان في مكافحة الإرهاب “آفة العصر”، بجميع دوافعه، ويعكس ذلك مساهمة المملكة بتقديم 100 مليون دولار أميركي (ما يزيد على 3.74 مليون ريال سعودي، في إطار ما يسمى بـ “تحالف الساحل”، للتصدي للإرهاب).
إلغاء “الخندقة”
في المحصلة، يتصور مراقبون أن تطابق الرؤى بين دولتين مثل السعودية وفرنسا، يثمر في استقرار العالم. فالأولى تمثل طرفاً معتدلاً بمنطقة الشرق الأوسط وذات ثقل ديني وسياسي واقتصادي، والثانية من شأنها حمل لواء قارة أوروبا بأكملها مقروناً بنفوذها الدولي، ما يلغي صور “الخندقة” كناية عن محسوبية بعض الدول أو الجماعات، واستناداً على مشاريع إيديولوجية، أو تاريخية، أو مرتبطة بدعم مالي، مستدلين – أي المراقبين – بلبنان على سبيل المثال لا الحصر، الذي يرتمي جزء مؤثر منه في الحضن الإيراني بناء على تصورات مذهبية، بينما يقف الجانب الآخر مع فكرة الدولة الجامعة، وعلى هذا الأساس فإن الحرص السعودي على لبنان، ونفوذ فرنسا في هذا الملف، ينعكس إيجابياً على لبنان، وإخراجه من النفق المظلم الذي تسبب به حزب الله، بامتلاك السلاح الخارج عن القانون، ورهن البلاد في المشروع الإيراني التخريبي، كما يتصور مراقبون.
المصدر: العربية – العرب والعالم

