تقييم عشرية إصلاح التعليم 2015-2025 الحلقة 29 : المدرسة المغربية في زمن الجهوية المتقدمة: بين الوعود والواقع
يندرج إصلاح منظومة التربية والتكوين المغربية في صلب الأولويات الوطنية. فمنذ اعتماد دستور 2011، الذي كرس مبدأ الجهوية المتقدمة، وإصدار القانون الإطار 51.17، انخرط المغرب في تحول عميق لحكامته الترابية. الهدف واضح: تقريب المدرسة من المواطنين، وتعزيز استقلالية الفاعلين المحليين، وجعل التربية رافعة للتنمية الترابية.
لكن عند وضع حصيلة المسار، يطرح سؤال جوهري: هل أصبحت الجهوية المتقدمة واقعاً عملياً في القطاع التربوي؟ وهل تتوفر هياكل التدبير على الصعيد الترابي على استقلالية محددة بوضوح؟ إن تقييم المعيار 15.1 من المرجع الوطني لتقييم منظومة التربية والتكوين، المتعلق باللامركزية والتفويض الإداري، يسلط الضوء على المكاسب المحققة والتحديات الماثلة.
الإطار النظري قائم، لكن التنفيذ يتعثر
لقد زود المغرب نفسه بترسانة قانونية واستراتيجية هائلة. فأرست وثائق مرجعية استراتيجية مثل دستور 2011، والقانون الإطار 51.17، ووثائق إجرائية مثل خارطة الطريق 2022-2026، وعقود الأداء، أسس حكامة ترابية جديدة. وعززت الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين من اختصاصاتها، وتم تقريب المديريات الإقليمية من المؤسسات التعليمية، وتم نشر سلسلة عقود الأداء لترجمة الأهداف الاستراتيجية من المستوى المركزي إلى المؤسسات التعليمية.
يُعدّ التمييز بين اللامركزية واللاتمركز جوهرياً في تحديات إدارة النظام التعليمي المغربي. فبينما تشير اللامركزية تقليدياً إلى نقل الصلاحيات إلى السلطات الترابية ذات الشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي (الجهات والجماعات)، لا يقتصر اللاتمركز على مجرد نقل الصلاحيات إلى جهات متفرعة عن الدولة لا تتمتع بالشخصية الاعتبارية. بل تشمل أيضاً هياكل مثل الأكاديميات الإقليمية للتربية والتكوين، التي، على الرغم من منحها الشخصية الاعتبارية بموجب القانون رقم 07-00، تبقى خاضعة لإشراف الدولة ولا تتمتع بالاستقلالية الكاملة مثل الجماعات الترابية. هذه الطبيعة الهجينة، الخاصة بالنظام التربوي المغربي، هي جوهر التوترات والتحديات التي تواجه تطبيق الجهوية المتقدمة.
غير أن الوقائع الميدانية أكثر تعقيداً. إذ تشير منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OECD)، في تقريرها لسنة 2024، إلى أن « لامركزية التعليم لم ترسخ في مسلسل الجهوية المتقدمة ». ويؤكد مركز السياسات من أجل الجنوب الجديد أن « الخلط في الأدوار لا يزال قائماً بين ما يخص الإدارة المركزية وما يعود للأكاديميات ». كما يلاحظ المجلس الأعلى للحسابات، في تقريره 2024-2025، أن تنفيذ الميزانية لا يزال « محدود التفويض ». الإجماع قائم: الإطار موجود، لكن تنفيذه يتعثر بشكل واضح.
استقلالية تحت الضغط
يكشف تقييم المعيار 15.1 عن مفارقة مذهلة. فمن جهة، يتوفر المغرب على إطار قانوني ملائم للتفويض الإداري واستقلالية المؤسسات. ومن جهة أخرى، يعبر الفاعلون المحليون عن استيائهم العميق من مستوى استقلالية يعتبرونه غير كاف.
الأرقام تتحدث عن نفسها. فوفقاً لتقرير اليونسكو لسنة 2025، يرى 63% من مديري المدارس أن المهام الإدارية تغلب على تعلم التلاميذ. هذا الشعور يعبر عن إحباط مشروع: المديرون غارقون في مهام إدارية تبتعد بهم عن مهمتهم الأساسية، وهي القيادة البيداغوجية. هامش المناورة المالية للأكاديميات شبه معدوم، حيث إعادة تجديد مضمون الميزانية نفسها هي القاعدة. والمنتخبون الجهويون، الذين تستهدفهم الجهوية المتقدمة، لا يملكون دوراً فاعلا في شؤون التربية.
كما تسلط المراقبة الدقيقة لتدبير الشأن التربوي على المستوى الترابي الضوء على « ازدواجية الإشراف » التي تضعف سلسلة التدبير. فالمديرون الإقليميون، المحصورون بين مطرقة الأكاديمية الجهوية وسندان الإدارة المركزية، يعجزون عن تحديد من يقدمون له الحساب. هذا الخلط في الأدوار يولد اختلالات وتضارباً في الاختصاصات وصعوبة في تحديد المسؤوليات.
تفتت مؤسساتي مستمر
تعاني منظومة التربية والتكوين المغربية من تفتت مؤسساتي يحد من نجاعة التفويض الإداري. فتعدد المتدخلين، واستمرار التدبير العمودي، وغياب التنسيق الفعلي بين مستويات الحكامة المختلفة، كلها عوائق أمام حكامة ترابية ناجعة.
كما تظل الشراكات مع الفاعلين المحليين، رغم تشجيع القانون الإطار 51.17 لها، غير متطورة بشكل كاف. وإذا كانت هناك مبادرات واعدة، كإشراك جمعيات آباء وأولياء التلاميذ في 9 مدارس من أصل 10، فإن تأثيرها يظل متفاوتاً ومحدوداً بالمؤسسات الرائدة. ولا تزال آليات التنسيق بين وزارة التربية الوطنية والجماعات الترابية ضعيفة للغاية بحيث لا تتيح تضافراً حقيقياً للجهود.
الصحراء المغربية: استقلالية تربوية في الأفق
في هذا السياق، تفتح خطة الحكم الذاتي لمنطقة الصحراء المغربية، التي تقدم بها المغرب منذ 2007، آفاقاً واعدة، خاصة بعد أن تبنى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة القرار 2797 في 31 أكتوبر 2025. وقد كرس هذا النص خطة الحكم الذاتي المغربية كأساس جاد وذي مصداقية وحصري لحل سياسي واقعي. ويقترح هذا المخطط وضعية حكم ذاتي موسع، في إطار السيادة الوطنية، يمكن أن يترجم إلى استقلالية ترابية مهمة في المجال التربوي.
وهذه المقاربة، المنسجمة مع مبادئ اللامركزية غير المتماثلة التي تنادي بها منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، تسمح بتكييف السياسات التربوية مع الخصوصيات الثقافية واللغوية والاقتصادية-الاجتماعية للمنطقة. فالحسانية، والثقافة الصحراوية، والحاجات المرتبطة باقتصاد الصحراء والبحر، كلها يمكن أن تؤخذ بعين الاعتبار في البرامج البيداغوجية. كما يمكن إشراك السكان المحليين بشكل أوسع في تدبير المؤسسات، وتوجيه التكوينات المهنية، وتحديد الأولويات التربوية الجهوية.
هذه الاستقلالية لا تعني قطيعة مع المنظومة الوطنية، بل تكيفاً مع الحقائق الترابية، في احترام للقاسم المشترك للمدرسة المغربية. وستكون مختبراً للتميز في الجهوية المتقدمة، لاختبار أنماط حكامة يمكن تعميمها لاحقاً على جهات أخرى.
دروس التجارب الدولية
لإنجاح لامركزيتها التربوية، يمكن للمغرب أن يستلهم من المبادئ التوجيهية لدليل منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية « إنجاح اللامركزية » (2019). المبدأ الأول هو توضيح مسؤوليات مستويات الإدارة المختلفة. فلا بد من إنهاء الخلط القائم في الأدوار لتمكين الفاعلين المحليين من ممارسة اختصاصاتهم كاملة.
المبدأ الثاني هو إرفاق كل الاختصاصات بتمويل كافٍ. يجب أن ترافق المهام المسندة إلى الأكاديميات والمؤسسات بالموارد الملائمة. فتفويض الميزانية شرط أساسي لتحميل الفاعلين المحليين المسؤولية.
المبدأ الثالث هو تعزيز الاستقلالية المالية والمساءلة. يجب أن تتوفر للأكاديميات والمؤسسات هامش حقيقي للمناورة لتكييف السياسات التربوية مع الحاجيات المحلية.
المبدأ الرابع هو دعم تعزيز القدرات المحلية. يجب أن يستفيد موظفو الأكاديميات والمديرون الإقليميون ومديرو المؤسسات من تكوين مستمر للاضطلاع بمسؤولياتهم الجديدة.
المبدأ الخامس هو إرساء آليات تنسيق ملائمة بين مستويات الإدارة. فالتعاقد، واللجان الوزارية المشتركة، والمؤتمرات الترابية، كلها أدوات يجب تطويرها لضمان اتساق الفعل العمومي.
توصيات من أجل لامركزية ناجحة
كي تصبح الجهوية المتقدمة واقعاً عملياً في القطاع التربوي، يجب الشروع دون إبطاء في عدة مشاريع إصلاحية.
أولاً، من الضروري توضيح أدوار ومسؤوليات كل مستوى إداري. يجب أن تركز الدولة المركزية على دورها الاستراتيجي كمنظم وضامن للإنصاف. وعلى الأكاديميات الجهوية أن تمارس كامل اختصاصاتها في التخطيط الجهوي، وتدبير الموارد البشرية، والمواكبة البيداغوجية. وعلى المديريات الإقليمية أن تكون واجهات فعالة بين الأكاديميات والمؤسسات التعليمية. ويجب إشراك الجماعات الترابية في الحكامة التربوية.
ثانياً، يجب تسريع تفويض الميزانية. ينبغي أن تتوفر للأكاديميات استقلالية مالية حقيقية لتكييف استثماراتها مع حاجيات أقاليمها. ويجب أن تستفيد المؤسسات من هامش للمناورة لتنفيذ مشاريعها المؤسسية.
ثالثاً، يجب أن يكون تعزيز القدرات المحلية أولوية. يجب تكوين أطر التربية في تدبير الشأن العام، والقيادة البيداغوجية، والتدبير القائم على النتائج. فالتكوين المستمر لمديري المؤسسات استثمار أساسي لنجاح الحكامة الترابية.
رابعاً، يجب تعزيز آليات التنسيق. ينبغي تعميم عقود البرامج، وتفعيل اللجان الوزارية المشتركة، وإضفاء الطابع المؤسسي على المؤتمرات الترابية.
خامساً، يجب وضع نظام لتتبع وتقييم اللامركزية. من شأن مرصد للامركزية التربوية أن يتتبع تطور مؤشرات التفويض الإداري والرضى والشراكة.
سادساً، يجب دراسة إمكانية إرساء آليات للامركزية غير المتماثلة للأقاليم ذات الخصوصيات، كالصحراء المغربية، في احترام تام للمرجعيات التربوية الوطنية.
المدرسة، رافعة للتنمية الترابية
لامركزية التربية ليست غاية في حد ذاتها، بل وسيلة لتقريب المدرسة من المواطنين، وتكييف السياسات التربوية مع حاجيات الأقاليم، وجعل التربية رافعة للتنمية المحلية.
تطمح الجهوية المتقدمة إلى أن تحتفظ الدولة المركزية بالدور الضابط والاستراتيجي في مجال التربية والتكوين، وأن يتم نقل مجموعة من الاختصاصات الأخرى إلى الجهة، لتمارسها ضمن باقي صلاحياتها على نطاق مجالها الترابي.
وبذلك، يتم تعويض التدبير القطاعي العمودي بالتدبير الأفقي المجالي، وتوحيد المسؤولية تحت سلطة الجهة، وجعل المنظومة من رافعات التنمية المحلية.
الرهان كبير. فالأمر لا يتعلق بنقل اختصاصات فحسب، بل بتحويل معمق للثقافة الإدارية وممارسات الحكامة. إن لامركزية التربية مشروع مجتمعي، يتطلب رؤية مشتركة، وإرادة سياسية ثابتة، وإشراكاً لجميع الأطراف المعنية.
يملك المغرب المؤهلات الدستورية والقانونية والتنظيمية لإنجاح هذا التحول. ولم يبق الآن سوى الانتقال من الوعد إلى الواقع، ومن النية إلى الفعل. إن مستقبل المدرسة المغربية، ومعه مستقبل جيل بأكمله، رهن بهذه القدرة على جعل الجهوية المتقدمة رافعة للإنصاف والجودة والتنمية لجميع الجهات.
المصدر: اليوم 24

