ما الذي يجعل أغلى اللوحات باهظة الثمن؟
حولت ثروات المليارديرات خلال العقدين الماضيين سوق الفن العالمي من مساحة تحكمها معايير تاريخية ونقدية إلى ساحة تتشكل فيها القيمة بفعل الندرة والطلب والقوة الشرائية. ولم تعد أغلى اللوحات في العالم مجرد أعمال فنية، بل تحولت إلى أصول رمزية وتذكارات للنخبة العالمية، قادرة على إعادة رسم مكانة الفنانين أنفسهم في تاريخ الفن.
مثلت لوحة غوستاف كليمت الشهيرة “أديل بلوخ باور الأولى”، المعروفة بـ”السيدة الذهبية”، واحدة من أبرز نقاط التحول في هذا المسار. فعندما دفع رجل الأعمال الأميركي رونالد لاودر 135 مليون دولار مقابلها عام 2006، سجلت رقماً قياسياً عالمياً آنذاك، رغم أن كليمت لم يكن يحظى بالمكانة التي يتمتع بها اليوم داخل المؤسسات الفنية الكبرى.
غيرت الصفقة نظرة السوق إلى الفنان النمساوي، إذ تجاوزت أسعار ست من لوحاته حاجز 100 مليون دولار منذ ذلك الحين، كان آخرها لوحة “بورتريه إليزابيث ليدرر” التي بيعت بنحو 236 مليون دولار. وبالتوازي، أعادت المتاحف الكبرى تقييم دور فيينا وبرلين مطلع القرن العشرين باعتبارهما من أهم مراكز نشأة الحداثة الفنية، وفقاً لما ذكرته صحيفة “فاينانشال تايمز”، واطلعت عليه “العربية Business”.
صعود أعمال القرن العشرين
أطلقت صفقة كليمت مرحلة جديدة دفعت لوحات القرن العشرين إلى صدارة المزادات العالمية. وخلال أشهر فقط، بيعت أعمال لويليم دي كونينغ وجاكسون بولوك بأكثر من 137 و140 مليون دولار على التوالي، لتعلن انتقال مركز الثقل من أساتذة الفن الكلاسيكي إلى رواد الحداثة.
أظهرت البيانات أن ثلاثة أرباع اللوحات التي تجاوزت قيمتها 100 مليون دولار تعود إلى الفترة الممتدة بين أعمال بيكاسو في مطلع القرن العشرين وأعمال جان ميشيل باسكيات في ثمانينياته. وتكررت أسماء كليمت وبولوك ووارهول وروثكو وموديلياني في قائمة الفنانين الأعلى سعراً.
لماذا هؤلاء بالذات؟
يرى رئيس “سوذبيز” في أوروبا، أوليفر باركر، أن جامعي الأعمال الفنية من أصحاب الثروات الضخمة باتوا يتعاملون مع أسماء الفنانين كما لو كانت علامات تجارية عالمية. فاقتناء لوحة لبيكاسو أو وارهول لا يمنح المالك عملاً فنياً فحسب، بل يوفر له أيضاً مكانة اجتماعية ورمزاً للنفوذ.
استفادت هذه الأعمال من ميزات يصعب العثور عليها في كثير من الفنون الكلاسيكية؛ فهي سهلة التعرف بصرياً وتمتلك أسلوباً فريداً يمكن تمييزه فوراً. فشبكات الألوان لدى بولوك، ومستطيلات روثكو الضبابية، وصور مارلين مونرو لدى وارهول، كلها أعمال تحمل بصمة يصعب الخلط بينها وبين غيرها.
مليارديرات يعيدون تشكيل السوق
دفعت موجة صعود الثروات العالمية أسعار هذه الأعمال إلى مستويات غير مسبوقة. ففي عام 2014 اشترى الملياردير الروسي دميتري ريبولوفليف لوحة لروثكو مقابل 186 مليون دولار، بينما استحوذ مدير صندوق التحوط الأميركي كين غريفين على لوحة لبولوك مقابل 200 مليون دولار في العام التالي.
شهد العام نفسه شراء المستثمر الصيني ليو ييكيان لوحة “العارية المستلقية” لموديلياني مقابل 170 مليون دولار، فيما دفع رجل الأعمال الياباني يوساكو مايزاوا أكثر من 110 ملايين دولار لقاء لوحة لباسكيات عام 2017.
بين الجاذبية والغموض
استندت القيمة الاستثنائية لهذه اللوحات إلى مزيج نادر من الجمال البصري المباشر والغموض الفكري. فالمشاهد لا يحتاج إلى معرفة أكاديمية معقدة للاستمتاع بأعمال روثكو أو وارهول، لكنه يبقى مفتوناً بالأفكار والمعاني الكامنة وراءها.
أضافت الأسعار القياسية طبقة أخرى من السحر، إذ يصعب تجاهل حقيقة أن بضعة ضربات فرشاة على قماش يمكن أن تعادل قيمة حي كامل في مدينة كبرى. وهو ما جعل هذه الأعمال تجمع بين الطابع الشعبي من جهة والطابع النخبوي الحصري من جهة أخرى.
الجرأة ترفع الأسعار
ساعدت عناصر التمرد والإيحاء في تعزيز جاذبية بعض الأعمال. فلوحات دي كونينغ وموديلياني وكليمت وبيكاسو قدمت جرعة من الاستفزاز الجمالي دون تجاوز الخطوط التي قد تنفر المشترين الأثرياء.
انعكس ذلك في أسعار مرتفعة لأعمال مثل “أفاعي الماء II” لكليمت التي بيعت مقابل 183 مليون دولار، و*”الحلم”* لبيكاسو التي وصلت قيمتها إلى 155 مليون دولار.
تحولات جغرافية
امتدت شهية اقتناء هذه الأعمال إلى ما هو أبعد من أوروبا وأميركا الشمالية. فقد اشترت عائلة آل ثاني القطرية لوحة بيكاسو الشهيرة “نساء الجزائر” مقابل 179 مليون دولار عام 2015، بينما استحوذ مشترون صينيون على عدد من أبرز أعمال كليمت خلال السنوات الأخيرة.
عكست هذه التحولات انتقال مركز الثقل المالي نحو آسيا والشرق الأوسط، في وقت تسعى فيه المتاحف الغربية إلى توسيع رواياتها الفنية لتشمل فنانين مهمشين تاريخياً بسبب الجنس أو العرق أو الجغرافيا.
السوق يسبق المتاحف أحياناً
ساهمت سوق الفن أحياناً في إعادة اكتشاف فنانين لم يحظوا بالاهتمام الكافي من المؤسسات الثقافية. فقد ارتفع الرقم القياسي لأعمال الفنانة الأميركية جوان ميتشل من أقل من مليون جنيه إسترليني قبل عقدين إلى 29 مليون دولار في 2023، قبل أن تخصص لها مؤسسة “تيت” معرضاً كبيراً عام 2025.
تسارعت كذلك أسعار أعمال الفنانات خلال السنوات الأخيرة، ما يدفع بعض الجامعين إلى اعتبار هذا المجال أحد أبرز رهانات السوق المستقبلية.
نخبة جديدة تصنع “الكانون” الفني
أظهر تباعد أولويات المزادات والمتاحف أن سوق الفن باتت تلعب دوراً متزايداً في تحديد الأعمال التي ستُخلد تاريخياً. فالمليارديرات لا يكتفون بشراء اللوحات، بل يسهمون عبر مقتنياتهم الخاصة ومتاحفهم في تشكيل ما يمكن اعتباره “الكانون” الفني الجديد.
انتهى الأمر بالعديد من هذه الأعمال إلى مؤسسات عامة أو متاحف خاصة. ومع أن بعضها غادر أوروبا نهائياً نحو شنغهاي أو الدوحة أو نيويورك، فإن ظهورها المتكرر في المزادات الكبرى يمنح الجمهور فرصة لرؤية أجمل الأعمال الفنية في العالم، حتى وإن كانت قيمتها تعادل ثروات كاملة.
المصدر: العربية – اقتصاد





