حادث الدواويس والتوزيع غير العادل للكرامة في مصر
ثمة مشهد في التقرير الميداني الذي كتبه الصحفي المتميز يوسف عقيل عن قرى وادي الملاك بمحافظة الشرقية يصعب تجاوزه، لأنه يقول شيئاً أكبر من حادث طريق أو إهمال محلي.
الطريق المؤدي إلى أربع قرى، يعيش فيها أهالي 12 شاباً من ضحايا حادث الدواويس، ظلت لسنوات ترابية ومتهالكة، لا تصل إليها المواصلات إلا بسيارات الربع نقل أو «التوكتوك»، ولا يستطيع سكان بعض القرى دخولها إلا عبر جذوع النخيل الموضوعة فوق الترع.
لكن عندما تقرر حضور المسؤولين إلى عزاء الضحايا، بدأت المعدات في تمهيد الطريق، وأقيم كوبري خشبي، ونُظم سرادق واسع «يليق بالمسؤولين».
في هذا المشهد، تتكثف مفارقة اجتماعية، تستحق أن نتوقف عندها؛ فما كان مستحيلاً بوصفه حقاً للسكان، أصبح ممكناً حين أصبح مطلوباً لخدمة أصحاب السلطة.
ليست المسألة هنا طريقاً سيئاً في قرية مصرية.
الطريق يقودنا إلى سؤال أوسع: هل يحصل المصريون على الكرامة نفسها، أم أن الكرامة أصبحت موزعة طبقياً وجغرافياً، بحسب الدخل والثروة والقرب من الدولة؟
ما أقترحه لفهم هذه الظاهرة مفهوم «التوزيع غير المتكافئ للكرامة»، باعتباره أحد المفاتيح التي يمكن من خلالها قراءة الطبقية المصرية اليوم.
المقصود ليس أن الدولة تمنح بعض المواطنين كرامة وتحرم آخرين منها بقرار مباشر، وإنما أن شروط الحياة التي تجعل الكرامة ممكنة ليست موزعة بالتساوي: جودة التعليم، العلاج، السكن، النقل، المياه، الوقت، الأمان، القدرة على مواجهة الأزمات، وإمكانية الوصول إلى الدولة نفسها.
القانون يقول إن المواطنين متساوون، لكن الحياة اليومية تبرز أمراً آخر: كم يكلفك أن تكون مواطناً في وادي الملاك؟ كان سكان القرى يدفعون ثمن غياب الطريق من وقتهم وأمانهم وصحتهم، كما أن تكلفة الوصول إلى أبسط الاحتياجات أصبحت جزءاً من حياتهم اليومية.
يروي التقرير أن «التوكتوك» يكلف نحو 120 جنيهاً للذهاب ومثلها للعودة، بينما يبلغ سعر الرحلة في سيارة الربع نقل المكشوفة 25 جنيهاً في الاتجاه الواحد.
أما أقرب مستشفى فيحتاج الوصول إليه إلى المرور بالطريق نفسها. المياه تنقطع، والكهرباء قد تنقطع لساعات، ولا توجد مستشفيات أو وحدات صحية مجهزة في القرى.
هذه التفاصيل تكشف شيئاً مهماً، وهو أن الفقر ليس نقصاً في المال فقط؛ إنه ارتفاع تكلفة الحياة نفسها بالنسبة إلى الفقير.
فالأسرة الميسورة تستطيع أن تعوض ضعف الخدمات العامة بشراء البديل. تستطيع أن تذهب إلى مستشفى خاص، وأن تضع أبناءها في مدرسة أفضل، وأن تسكن في منطقة جيدة الخدمات، وأن تستخدم سيارة بدل المواصلات، وأن تدفع مقابل سرعة الخدمة وجودتها.
أما الفقير، فإذا كانت الخدمة العامة ضعيفة، فلا يملك بالضرورة القدرة على شراء البديل.
وهنا يصبح من الضروري التمييز بين ثلاثة أشياء: إتاحة الخدمة، والقدرة على تحمل تكلفتها، وإمكانية الحصول على جودة مناسبة منها.
قد تكون المدرسة موجودة، لكن هل يستطيع الأبناء الحصول على تعليم جيد من دون إنفاق إضافي؟ وقد يكون المستشفى قائماً، لكن هل يستطيع المريض الحصول على العلاج في الوقت المناسب؟ وقد تصل المياه إلى المنزل، لكن هل جودتها وانتظامها يجعلانها خدمة لائقة؟ وقد تكون المواصلات متاحة، لكن كم من الوقت والمال والأمان يدفع المواطن؛ لكي يصل إلى عمله؟ هذه الأسئلة تجعل مفهوم الكرامة أكثر وضوحاً وأقل تجريداً.
توفر الخدمات تظهر أحدث بيانات البارومتر العربي في مصر أن الصورة أكثر تعقيداً من مجرد القول إن الخدمات العامة غائبة.
ففي المسح الذي أُجري في سبتمبر 2025، وشمل 1,225 مبحوثاً، قال 87% إنهم راضون عن الكهرباء و81% عن المياه، بينما بلغ عدم الرضا عن الإسكان 68%، وعن الصحة والتعليم 58%، وعن جمع القمامة 46%.
هذه الأرقام مهمة؛ لأنها تمنعنا من بناء حجة مبسطة.
فالمشكلة ليست أن الدولة لا تقدم خدمات على الإطلاق. المشكلة الأعمق هي الفارق بين مجرد وجود الخدمة وبين القدرة على الحصول على خدمة لائقة، وبالجودة التي يحتاجها الإنسان، وهذا الفارق هو الذي يجعل المستوى الاجتماعي مهماً.
فحين ترتفع أسعار التعليم والعلاج والسكن والنقل والغذاء، لا يصبح المواطنون متساوين لمجرد أن هذه الأشياء لا تزال متاحة في السوق.
القدرة على الدفع تتحول إلى آلية لتوزيع الجودة.
يتقاطع هذا التفاوت الخدمي مع انحراف طبقي حاد؛ إذ يستحوذ الـ1% الأغنى على نحو 50% من الثروة القومية، بينما يحصل الـ50% الأدنى دخلاً على نحو 13% فقط من الدخل. ومع قفزات تضخم قياسية وتآكل القيمة الحقيقية للأجور بنسب ناهزت 40%، سقطت الطبقتان الوسطى والدنيا في مستنقع العجز.
لم تعد القضية فقراً رقمياً، يطال أكثر من ثلث السكان رسمياً، ونحو 60% بتقديرات البنك الدولي، بل تجريد هذه الطبقات من القدرة على تأمين متطلبات العيش الكريم إلا بصعوبة بالغة ومضنية.
الثري لا يحتاج بالضرورة إلى مدرسة حكومية أفضل؛ يمكنه أن يدفع لمدرسة خاصة.
ولا يحتاج إلى انتظار دوره في مستشفى حكومي؛ يستطيع أن يذهب إلى مستشفى خاص.
ولا يحتاج إلى أن يتحمل ساعتين في المواصلات؛ يمكنه أن يشتري سيارة أو خدمة نقل ذكي.
أما الفقير، فليس لديه هذا الهامش.
الثروة، بهذا المعنى، لا تشتري السلع والخدمات فقط؛ إنها تشتري الوقت والجودة والأمان والاختيار، وهذا أحد أهم أشكال التوزيع غير المتكافئ للكرامة.
جغرافيا الفقر
يؤكد مؤشر الفقر متعدد الأبعاد في مصر، الذي أعدته وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي ووزارة التضامن الاجتماعي والجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء بالتعاون مع اليونيسف ومنظمات دولية أخرى، أن 21% من المصريين كانوا يعيشون في فقر متعدد الأبعاد عام 2022.
والمؤشر لا يقيس المال وحده، وإنما 19 مؤشراً موزعة على التعليم والصحة والسكن والخدمات والعمل والحماية الاجتماعية والأمن الغذائي.
وكانت مساهمة الحرمان من الخدمات والعمل نحو 19% لكل منهما في الفقر متعدد الأبعاد.
كما كان هذا المؤشر أعلى بكثير في الريف، ويرتبط ذلك بدرجة كبيرة بالحرمان من الخدمات.
هذه النتيجة تجعل جغرافيا الفقر جزءاً من جغرافيا الكرامة.
فإذا كان احتمال حصول الإنسان على تعليم أو علاج أو صرف صحي أو طريق جيد يتغير جذرياً، بحسب المكان الذي يعيش فيه، فإن المواطنة القانونية الواحدة تخفي وراءها تجارب مختلفة جذرياً للمواطنة الفعلية.
وهذا ليس جديداً تماماً في الدراسات المصرية. فقد أشار البنك الدولي منذ سنوات إلى عمق الانقسام المكاني في الرفاه داخل مصر، وإلى أن الفقر المرتبط بالمكان يمكن أن يتحول إلى «فخ» يعيد إنتاج الفقر، لأن الميلاد والنشأة في منطقة محرومة قد يحرم الفرد عملياً من فرص التحسن المتاحة في مناطق أخرى، لكن ما تغير هو أن هذه الفجوة أصبحت أكثر كلفة.
التضخم وتوزيع القدرة على الحياة خلال السنوات الأخيرة أصبح ارتفاع الأسعار أحد أهم العوامل، التي ينبغي أن تدخل في تحليل الطبقية.
ووفق أحدث مسح للبارومتر العربي، وصف 72% من المصريين الوضع الاقتصادي، بأنه سيئ أو سيئ جداً، واعتبر 60% الاقتصاد المشكلة الأكثر إلحاحاً، بينما جاء ارتفاع تكلفة المعيشة في مقدمة المخاوف الاقتصادية بنسبة 45%.
والملفت أن نحو 60% قالوا إنهم لم يستطيعوا شراء ما يكفي من الغذاء خلال الشهر السابق.
هنا تتجاوز المسألة حدود الفقر التقليدي؛ فالأسرة قد لا تكون «فقيرة»، وفق تعريف إحصائي ضيق، لكنها يمكن أن تفقد قدرتها على تحمل تكلفة الحياة اللائقة.
يمكن أن تستمر في دفع الإيجار، لكنها تتخلى عن العلاج، ويمكن أن تدفع تكاليف المدرسة، لكنها تقلل الغذاء، ويمكن أن تشتري الدواء، لكنها تستدين لتغطية احتياجات أخرى.
وهكذا؛ يعمل ارتفاع الأسعار كآلة لإعادة ترتيب الأولويات داخل الأسرة؛ الطبقة الأعلى تشتري البدائل، والأدنى تضحي بالجودة وتتنازعها الأولويات.
وهذه هي النقطة التي لا تظهرها أرقام إتاحة الخدمات وحدها.
القدرة على تحمل الصدمات الكرامة تظهر أيضاً في اللحظة التي تحدث فيها أزمة: مرض مفاجئ، فقدان العمل، حادث، ارتفاع في الأسعار، احتياج إلى عملية جراحية… بالنسبة إلى الأسرة الغنية قد تكون هذه ضربة مالية مؤلمة، لكنها قابلة للامتصاص من المدخرات أو التأمين أو شبكة العلاقات، أما الأسرة الفقيرة فقد تؤدي الأزمة إلى سلسلة من الخسائر: دين، بيع أصل إن وجد، إخراج طفل من التعليم، عمل إضافي، أو التخلي عن العلاج.
ولهذا، فإن الحماية الاجتماعية مهمة، وقد توسعت مصر بالفعل في هذا المجال. لكن وجود برامج الحماية لا يعني أن المشكلة انتهت.
وتظهر بيانات الأمم المتحدة أن نسبة السكان الذين كانوا يحصلون على تغطية من الحماية الاجتماعية واحدة على الأقل بلغت 36.6% في 2022، لكن السؤال ليس فقط: كم عدد المستفيدين؟، بل: هل يستطيع نظام الحماية أن يمنع الأسرة من السقوط، عندما تضربها الصدمة؟ هذه القدرة على الصمود جزء من الكرامة.
التعليم: هل يحصل الجميع على الشيء نفسه؟ من أخطر أشكال عدم المساواة أنها لا تبدو دائماً في لحظة الحصول على الخدمة، بل تظهر في نتائجها.
الطفل الغني والطفل الفقير قد يجلسان في فصل دراسي في اليوم نفسه، لكن الأسرة الأغنى تستطيع شراء الدروس الخصوصية، والأجهزة، واللغة الأجنبية، والأنشطة، والمدرسة الأفضل، ثم الجامعة الأفضل.
لذلك، فإن السؤال الصحيح ليس: كم طفلاً يدخل المدرسة؟، بل: ما الذي يحصل عليه الطفل داخل المدرسة؟ وما الذي تستطيع أسرته شراءه خارجها لتعويض ما لا يحصل عليه؟
البنك الدولي يقدر أن نحو 56% من الأطفال في مصر في سن نهاية المرحلة الابتدائية يعانون من فقر التعلم؛ أي إنهم لا يصلون إلى الحد الأدنى من الكفاءة في القراءة.
وعندما يصبح التعليم الجيد مرتبطاً بقدرة الأسرة على الإنفاق، لا يعود التعليم أداة للحراك الاجتماعي؛ هو في مصر الآن تحول إلى آلية لإعادة إنتاج التفاوت الطبقي.
وهنا نصل إلى أحد أخطر وجوه التوزيع غير المتكافئ للكرامة: التفاوت في المستقبل.
الوقت أيضاً طبقي في قرى وادي الملاك، لا يدفع السكان فقط ثمن الطريق الرديئة؛ إنهم ينفقون وقتاً إضافياً للوصول إلى العمل والخدمات.
الطريق الطويل، المواصلات القليلة، الانتظار، المشي، وتعدد الرحلات كلها تكاليف لا تظهر في فاتورة الخدمة.
أما صاحب السيارة الخاصة فيشتري اختصار الطريق وتوفير الوقت.
ومن هنا، يمكن النظر إلى الوقت باعتباره مورداً طبقياً.
الفقراء يبيعون وقتاً أكبر؛ لكي يحصلوا على الشيء نفسه.
وهذا يفسر جانباً من غضب الأب في تقرير يوسف عقيل حين يقول إن ابنه كان يخرج مع الفجر، ويعود في الخامسة أو بعد المغرب من أجل عمل باليومية.
كان الشاب يبيع جسده ووقته؛ لكي تعيش الأسرة.
وفي المقابل، كان الطريق نفسه يُصلح في أيام قليلة حين أصبح مطلوباً لمرور المسؤولين.
هذه قصة القيمة المختلفة لوقت المواطنين.
الكرامة والوصول إلى الدولة يصل التفاوت أخيراً إلى السياسة. في التقرير، يقول أحد السكان إن الشكاوى تكررت بشأن المياه والطرق دون نتيجة، بينما قال آخر عن أحد النواب: «أنا ناجح بفلوسي».
وفي النهاية، بقيت الطريق كما هي بعد انتهاء العزاء وانصراف القيادات.
هذه الشهادات وغيرها، تضع إصبعها على سؤال بالغ الأهمية: هل يمتلك جميع المواطنين القدرة نفسها على جعل الدولة تستجيب؟
تؤكد نتائج البارومتر العربي أن 70% من المصريين قالوا إنهم لم يصوتوا في الانتخابات الأخيرة، وأن 59% فقط يرون الديمقراطية أفضل من غيرها من أنظمة الحكم.
والأهم أن 43% وضعوا ضمان الاحتياجات الأساسية في المرتبة الأولى عند تعريفهم لأهم عناصر الديمقراطية، مقابل 15% للمساواة أمام القانون و8% فقط لاختيار القادة بحرية و8% لحماية الحريات المدنية.
يمكن قراءة هذه النتائج باعتبارها تعبيراً عن مفهوم عملي للمواطنة: الديمقراطية، بالنسبة إلى قطاع كبير تبدأ من القدرة على الحصول على حياة قابلة للعيش، وليس من صندوق الاقتراع- وهذا مفهوم بالغ الأهمية.
فالمواطن الذي لا يستطيع الحصول على علاج جيد، أو تعليم جيد، أو طريق آمن، أو مياه منتظمة، لا يعاين الدولة أولاً من خلال نصوص الدستور؛ يراها من خلال بيروقراطية، ومستشفى، ومدرسة، وطريق، ومواصلات.
مصر العزبة ومصر القصر، لعل أقوى ما في تقرير يوسف عقيل، أنه لم يحتج إلى خطاب نظري عن الطبقات.
يكفي أن يضع أمام القارئ صورتين متجاورتين:
في الأولى، قرى يسير أهلها فوق جذوع النخيل، وينتظرون الربع نقل، ويعمل شبابها باليومية بأجور تتراوح بين 200 و300 جنيه، ويشتكون من المياه والكهرباء والصحة والطرق. وفي الثانية، تصل السيارات الحديثة للنواب، ثم مواكب المحافظين، بينما يفتح الطريق أمامهم ويعبد من أجلهم، وفي الوقت نفسه الذي كان فيه الأهالي يعيشون في ظلام الطريق، كان سرادق العزاء مضاءً ومجهزاً.
هذه ليست مجرد مفارقة بصرية؛ إنها تكشف القدرة غير المتساوية على جعل المكان صالحاً للحياة.
ولذلك، فإن «التوزيع غير المتكافئ للكرامة» لا يعني أن الفقير أقل كرامة في ذاته، وإنما أن المجتمع والدولة والسوق يضعونه في شروط، تجعله ينفق أكثر، وينتظر أكثر، ويتحمل أكثر، ويقبل بجودة أقل، ويمتلك خيارات أقل، وقدرته على الوصول إلى الدولة أضعف.
وهنا تحديداً تتقاطع الطبقة مع الكرامة.
الكرامة كمؤشر جديد للطبقية أحد المشكلات في مقاييس عدم المساواة التقليدية أنها تركز غالباً على الدخل والثروة.
وهي مهمة بلا شك، لكن الدخل وحده لا يخبرنا عن نوع الحياة التي يستطيع الإنسان أن يعيشها.
قد تكون أسرة ما فوق خط الفقر، لكنها تنفق نسبة ضخمة من دخلها على السكن والنقل والغذاء والعلاج.
وقد تكون أسرة أخرى أكثر ثراءً بقليل، لكنها تشتري مدرسة أفضل، وتأميناً صحياً، وسكناً أفضل، ووقتاً أكثر، وحماية أكبر من الصدمات.
لذلك، يمكن أن نقرأ الطبقية المصرية المعاصرة من زاوية أخرى: من يستطيع شراء حياة أكثر أماناً وراحة وجودة؟ ومن لا يملك سوى قبول ما هو متاح؟ بهذا المعنى يصبح «التوزيع غير المتكافئ للكرامة» مفهوماً جامعاً لعدة فجوات: فجوة الدخل، وفجوة المكان، وفجوة الخدمات، وفجوة الوقت، وفجوة القدرة على تحمل الصدمات، وفجوة الوصول إلى الدولة، وفجوة المستقبل، والأهم أن نراها وهي تعمل معاً.
طفل يولد في قرية فقيرة قد يحصل على تعليم أقل جودة، ويحتاج إلى إنفاق أكبر للوصول إلى الخدمة، ويجد فرص عمل أقل، ويقضي وقتاً أطول في التنقل، ويكون أكثر تعرضاً للصدمات الاقتصادية، وقدرته على الوصول إلى المسؤولين محدودة… وهكذا يتحول المكان الأول الذي ولد فيه إلى عامل يؤثر في مستقبله.
وهنا، لا تعود الطبقية مجرد فارق بين غني وفقير.
تصبح فارقاً في أن يعيش الإنسان حياة، يعتبرها هو نفسه جديرة بأن تعاش بكرامة.
وهذا هو الأمر الذي يتركه تقرير وادي الملاك مفتوحاً أمامنا؛ فبعد انتهاء العزاء، انصرف المسؤولون والصحفيون، وبقي الطريق كما كان: ترابياً ومظلماً، يعبره السكان إلى العمل أو إلى بيوتهم.
ربما تكمن قوة المشهد في أن الطريق لم يكن بحاجة إلى معجزة كي يصبح صالحاً؛ لقد أثبتت المحافظة، أنها تستطيع إصلاحه عندما أرادت.
المشكلة إذن لم تكن دائماً في القدرة، وإنما في الأولوية.
ومن هنا يمكن صياغة المسألة بأبسط صورة: المساواة القانونية تقول إن الطريق حق للجميع، والواقع الاجتماعي يسأل: لمن تُصلح الطرق أولاً؟ وبين السؤالين تقع المسافة كلها بين المواطنة المتساوية والتوزيع غير المتكافئ للكرامة.
<p>The post حادث الدواويس والتوزيع غير العادل للكرامة في مصر first appeared on masr360.</p>
المصدر: مصر 360




