تحولات الأكراد… من الكفاح المسلح إلى المشاركة السياسية وتكريس الحقوق
حين أعلن مظلوم عبدي من قصر الشعب حل «قوات سوريا الديمقراطية» والإدارة الذاتية والتشكيلات التابعة لها، والاندماج الكامل في مؤسسات الدولة السورية، كان يطوي مرحلة استثنائية من تاريخ اكراد سوريا امتدت لأكثر من عقد.
فقد صنعت الحرب السورية وصعود «داعش» والدعم الأميركي وغياب سلطة الدولة واقعًا جديدًا في شمال شرقي البلاد، قبل أن تعيد التحولات العسكرية والسياسية دمشق إلى مركز المعادلة.
لكن اختزال ما جرى في عبارة «حل قسد» لا يكفي لفهم دلالته. فالسؤال الأهم هو: هل تستطيع المكتسبات التي أنتجتها سنوات الإدارة الذاتية والقوة العسكرية أن تتحول إلى حقوق مستقرة داخل الدولة؟ هذا السؤال رافق الحركة الكردية منذ منتصف القرن الماضي: كيف يمكن الانتقال من الدفاع عن القضية إلى مشروع سياسي قابل للحياة، لا يتوقف على بندقية ولا يسقط بتغير الحليف؟

مهاباد.. حين لم يكن ميزان القوى كافيًا
مثلت جمهورية مهاباد عام 1946، بقيادة قاضي محمد، واحدة من أكثر المحطات رسوخًا في الذاكرة السياسية الكردية.
نشأت في ظرف دولي استثنائي بعد الحرب العالمية الثانية، مستفيدة من الوجود السوفياتي في شمال إيران، لكنها سرعان ما كشفت هشاشة المشروع السياسي حين يقوم على ميزان قوى خارجي غير ثابت.

ومع انسحاب السوفييت وتغير البيئة الدولية، استعادت القوات الإيرانية المنطقة وأُعدم قاضي محمد.
تركت مهاباد إرثًا وجدانيًا وسياسيًا كبيرًا، لكنها تركت أيضًا درسًا واضحًا: التحالف الخارجي قد يخلق فرصة، لكنه لا يصنع وحده نظامًا قابلًا للبقاء.
فالفرق بين القضية والمشروع السياسي أن الأولى تبقى في الذاكرة، أما الثاني فيحتاج إلى مؤسسات وضمانات وتسويات.
عبد الرحمن قاسملو.. السياسة قبل الاغتيال
بعد الثورة الإيرانية عام 1979 عادت المسألة الكردية إلى الواجهة، وبرز عبد الرحمن قاسملو، زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني، بوصفه سياسيًا حاول نقل القضية من منطق المواجهة المفتوحة إلى برنامج أكثر وضوحًا.
فقد رأى أن الحقوق القومية لا تنفصل عن مستقبل الدولة نفسها، وصاغ معادلته الشهيرة: «الديمقراطية لإيران والحكم الذاتي لكوردستان».

كان جوهر رؤيته ربط الحل الكردي بتحول ديمقراطي أوسع، بدل عزل القضية عن مستقبل إيران.
لكن طريق التفاوض انتهى باغتياله في فيينا عام 1989، ثم اغتيال صادق شرفكندي في برلين لاحقًا.
ومع ذلك لم تختف القضية، وهو ما كشف حدود المقاربة الأمنية: يمكن إضعاف حزب أو قتل قائد، لكن لا يمكن إلغاء الأسباب السياسية والاجتماعية التي أنتجت القضية.
عبد الله أوجلان.. مشروع موجود وتسوية غائبة
في تركيا، دخل حزب العمال الكردستاني منذ عام 1984 صراعًا مسلحًا طويلًا مع الدولة، قبل أن تتطور أفكار عبد الله أوجلان لاحقًا نحو اللامركزية و«الكونفدرالية الديمقراطية».
ورغم اعتقاله عام 1999، بقي أوجلان مؤثرًا في الحركة، وصولًا إلى دعوات إنهاء السلاح وحل الحزب والبحث عن معالجة ديمقراطية للمسألة الكردية.

لكن التجربة التركية تؤكد أن وقف السلاح لا يعني تلقائيًا حل القضية. فالحزب المسلح يمكن أن ينهي هيكله، لكن المرحلة السياسية تحتاج إلى قانون ومؤسسات وتمثيل وضمانات وقبول متبادل.
من دون ذلك تبقى التسوية معلقة بين إعلان سياسي وواقع لم يكتمل بعد.
العراق.. من الحكم الذاتي إلى الشراكة الدستورية
أما العراق فقدم التجربة الأكثر رسوخًا في تحويل المشروع الكردي إلى وضع دستوري داخل دولة قائمة، رغم أن الطريق إليه كان طويلًا وقاسيًا.
فقد شكلت اتفاقية 11 مارس (آذار) 1970 محطة مبكرة للاعتراف بالحكم الذاتي، لكنها تعثرت وعاد الصراع، ثم جاءت سنوات الأنفال وحلبجة والحروب والتشريد لتجعل الكلفة الإنسانية والسياسية باهظة.

بعد 1991 بدأت في كردستان العراق تجربة مؤسساتية مختلفة، ثم جاء ما بعد 2003 ليمنح القوى الكردية موقعًا داخل إعادة بناء الدولة العراقية. لم يعد الكرد يتفاوضون مع الدولة من خارجها فقط، بل أصبحوا جزءًا من صياغتها.
وكرس دستور 2005 هذا التحول، فنقل الخلاف من سؤال الاعتراف بالوجود الكردي إلى نقاش داخل الدولة حول السلطات والثروة وحدود الصلاحيات.
سوريا.. هل تكون المحاولة الثانية؟
من هذه الزاوية يمكن قراءة ما يحدث اليوم في سوريا.
فقد نشأت تجربة كورد سوريا في ظروف تختلف جذريًا عن العراق؛ لم تأتِ نتيجة اتفاق دستوري مع دمشق، بل وُلدت من تفكك سلطة الدولة خلال الحرب والصراع مع «داعش»، ثم تطورت بدعم غربي إلى إدارة أمر واقع امتلكت قوة عسكرية ومؤسسات مدنية وأمنية وتعليمية واقتصادية.

وبقيت هذه التجربة، رغم قوتها، بلا اعتراف دستوري نهائي. وعندما تغيرت الظروف بعد سقوط النظام السابق وتبدل الموقفين الإقليمي والدولي، عاد السؤال الذي عرفته تجارب كردية أخرى: ما قيمة القوة إذا لم يكن ممكناً تحويلها في النهاية إلى تسوية سياسية؟
جاء الجواب السوري تدريجيًا. ففي يناير (كانون الثاني) 2026 أصدر الرئيس أحمد الشرع المرسوم رقم 13، معتبرًا المواطنين السوريين الكرد جزءًا أصيلًا من الشعب السوري، ومعترفًا بهويتهم الثقافية واللغوية، وبالكردية لغة وطنية تُدرّس في مناطق الحضور الكردي، كما ألغى آثار إحصاء الحسكة لعام 1962 ومنح الجنسية للمشمولين بها، بمن فيهم مكتومو القيد.
ثم جاءت عملية الدمج، وصولًا إلى إعلان مظلوم عبدي في 25 أغسطس (آب). ولا ينبغي استعجال إعلان النجاح؛ فما يحدث في سوريا قد يمثل المحاولة الثانية بعد العراق لتحويل الثقل السياسي والعسكري الكردي إلى شراكة داخل الدولة.
لكنه لن ينجح بمجرد توقيع الاتفاق أو حل القوة العسكرية، فالمعيار سيكون في التنفيذ.
المصدر: العربية – العرب والعالم





