غزو الدجاج.. البروتين الأرخص يعيد رسم خريطة الغذاء العالمية
تحول الدجاج خلال العقود الأخيرة من غذاء محدود الحضور إلى أكثر مصادر البروتين الحيواني استهلاكاً في العالم، مدفوعاً بانخفاض تكلفته وسهولة إنتاجه وقدرته على التكيف مع مختلف الثقافات والمطابخ، في مسار يتوقع خبراء أن يواصل زخمه خلال السنوات المقبلة.
وقفز عدد الدجاج المنتج عالمياً من نحو 48.3 مليار طائر في 2006 إلى 76.2 مليار طائر في 2023، بينما تسارع نمو الإنتاج خلال الأعوام الثلاثة إلى الأربعة الماضية إلى أكثر من 3% سنوياً، وفق تقديرات خبراء القطاع. ولم يعد الدجاج مجرد منتج زراعي، بل أصبح صناعة عالمية متكاملة تمتد من المفاقس ومصانع الأعلاف إلى سلاسل المطاعم وشبكات التوزيع.
وأعاد هذا النمو تشكيل عادات الاستهلاك حول العالم، إذ بات الدجاج حاضراً في مطاعم الوجبات السريعة والمتاجر الكبرى والمطابخ المحلية من الولايات المتحدة والصين إلى الخليج والهند وأفريقيا. كما ساهم في توفير بروتين منخفض التكلفة لملايين المستهلكين الذين كانت خياراتهم من اللحوم محدودة في السابق، بحسب ما ذكره تقرير موسع لصحيفة “فاينانشال تايمز”، واطلعت عليه “العربية Business”.
ويرى خبراء أن العالم لا يزال بعيداً عن بلوغ “ذروة استهلاك الدجاج”، مع استمرار الطلب في الارتفاع داخل الاقتصادات المتقدمة والناشئة على حد سواء. وتقود منطقة آسيا والمحيط الهادئ الجزء الأكبر من النمو العالمي، فيما تستحوذ الصين والولايات المتحدة وحدهما على نحو ثلث الطلب العالمي.
ولم يكن الدجاج المرشح الأبرز لقيادة سوق اللحوم قبل قرن من الزمن. فحتى أوائل القرن العشرين كان يربى أساساً لإنتاج البيض، بينما كانت لحوم الأبقار والخنازير تهيمن على الأسواق. لكن انتشار التبريد الحديث وتوسع شبكات النقل وظهور المتاجر الكبرى غيّر قواعد اللعبة، فاتجه المنتجون إلى تطوير سلالات مخصصة للحوم تنمو أسرع وتستهلك أعلافاً أقل.
وساعدت التحسينات الوراثية والتكنولوجية على خفض تكلفة الإنتاج بشكل كبير، مع تقليص دورة التربية وتحسين كفاءة تحويل الأعلاف إلى لحوم، ما أدى إلى تراجع أسعار الدجاج وجعله خياراً اقتصادياً جذاباً مقارنة باللحوم الأخرى.
وأصبحت صناعة الدواجن اليوم نموذجاً عالمياً موحداً إلى حد كبير، حيث تستخدم أساليب متشابهة في التربية والمعالجة من البرازيل إلى ألمانيا وأستراليا. كما تجاوز الدجاج لحم الخنزير في 2022 ليصبح أكثر اللحوم إنتاجاً في العالم.
وقادت البرازيل هذا التحول لتصبح أكبر مصدر عالمي للدجاج، بعدما ارتفعت صادراتها من نحو 910 آلاف طن في عام 2000 إلى حوالى 4.9 مليون طن في 2024، بينما تراجعت حصة الولايات المتحدة نسبياً في سوق التصدير العالمي.
واستفاد الدجاج من ارتفاع أسعار اللحوم الحمراء ومن تراجع القيود الثقافية والدينية المرتبطة باستهلاكه مقارنة باللحم البقري أو لحم الخنزير. كما عززت الأنظمة الغذائية الغنية بالبروتين وانتشار مطاعم الوجبات السريعة من مكانته في الأسواق العالمية.
وظهرت مؤشرات هذا التحول حتى لدى شركات الوجبات السريعة الكبرى. فشركة ماكدونالدز أقرت في تقريرها السنوي الأخير بأن سوق الدجاج العالمي أصبح أكبر بنحو الضعف من سوق لحوم الأبقار وينمو بوتيرة أسرع، ما دفعها إلى توسيع انتشار منتجاتها المعتمدة على الدجاج في معظم أسواقها الرئيسية.
وفي الوقت نفسه، بدأت دول عديدة في الشرق الأوسط وآسيا وأفريقيا الاستثمار بكثافة في تطوير سلاسل إنتاج محلية للدواجن لتحقيق الأمن الغذائي وخلق فرص عمل. ورفعت السعودية إنتاجها المحلي بشكل كبير رغم تحديات المناخ الصحراوي، بينما توسع الصين قدراتها الإنتاجية مع طموحات للتحول إلى مصدر عالمي.
لكن هذا الزخم يواجه تحديات متنامية. فقد أدى التوسع في الإنتاج إلى زيادة المخاوف البيئية المرتبطة بالنفايات الحيوانية والانبعاثات والضغط على الموارد الزراعية، كما أثارت مزارع التربية المكثفة انتقادات متزايدة من جماعات حماية البيئة وحقوق الحيوان.
وشهدت أوروبا على وجه الخصوص تصاعداً في المعارضة المجتمعية لمشروعات الدواجن الكبرى. ففي بريطانيا، صدرت أحكام قضائية اعتبرت فضلات بعض مزارع الدواجن الصناعية نفايات يمكن أن تؤثر على البيئة، بينما ألغيت أو تعطلت عدة مشروعات جديدة في كرواتيا وإسبانيا بعد اعتراضات شعبية واسعة.
وبات التحدي الرئيسي أمام الصناعة لا يتعلق بالطلب بقدر ما يتعلق بقدرتها على الحصول على موافقات لإنشاء مزارع ومصانع جديدة. فمع تزايد شهية المستهلكين إلى البروتين منخفض التكلفة، تزداد أيضاً مقاومة المجتمعات المحلية للتوسع في البنية التحتية التي تجعل هذا الإنتاج ممكناً.
وبينما يبدو أن الطلب العالمي على الدجاج لا يزال في بداية مرحلة نمو طويلة، فإن مستقبل الصناعة قد يتحدد بقدرتها على الموازنة بين متطلبات الأمن الغذائي من جهة، والضغوط البيئية والتنظيمية المتزايدة من جهة أخرى.
المصدر: العربية – اقتصاد





