تفاصيل خطة “ميتا” السرية لإلغاء الوظائف واستبدالها بالذكاء الاصطناعي
في يناير/كانون الثاني التقى مارك زوكربيرغ الرئيس التنفيذي لشركة ميتا وكبار مساعديه في تجمع القيادة السنوي بمقر إقامته في هاواي، وهناك وضعوا خطة لتغيير جذري وإعادة تصور طبيعة العمل في عملاق وسائل التواصل الاجتماعي في عصر الذكاء الاصطناعي.
تصورت خطة (التحول المؤسسي) مستقبلا “يعتمد في الأساس على الذكاء الاصطناعي” للشركة المالكة لفيسبوك وإنستغرام.
وسيتولى الذكاء الاصطناعي جزءا كبيرا من العمل اليومي الذي يؤديه آلاف الموظفين. ويشرف على العمال الافتراضيين داخل ميتا كوادر أصغر عددا من الموظفين “ذوي الكفاءات العالية”، بحسب وثيقة تخطيط داخلية اطلعت عليها “رويترز” وثلاثة مصادر على دراية بالمشروع.
وقال مصدران منهم إن المديرين التنفيذيين بحثوا، في تدريبات استشراف السيناريوهات المستقبلية، خفض حجم كثير من فرق العمل في ميتا بأكملها بنسبة تصل إلى 60%.
وسيُعرض على بعض الموظفين وظائف في وحدات جديدة، بينما سيتم تسريح آخرين في إطار عملية تقليص توقع أحد المسؤولين التنفيذيين في قسم الموارد البشرية أن تكون بحجم أو أكبر من عمليات تسريح أجرتها الشركة قبل ثلاثة أعوام بنسبة 25% تقريبا، بحسب وثيقة داخلية أخرى.
زوكربيرغ يلغي موجة تسريح قبل بدءها بساعات
وأظهرت وثائق تخطيط داخلية اطلعت عليها “رويترز” أن عملية إعادة الهيكلة على “موجتين”، وكان من شأنها أن تبدأ بالأولى في مايو/أيار، تليها عملية إعادة هيكلة أخرى في نوفمبر/تشرين الثاني.
ومن المفترض أن تُستكمل عمليات التسريح بإغلاق الوظائف الشاغرة وتسريح الموظفين الذين تعتقد ميتا أن أداءهم ضعيف. ولم يسبق أن تم الكشف عن هذه التفاصيل وغيرها في الخطة، بما في ذلك حجم عملية إعادة الهيكلة.
لكن في ليلة 19 مايو/أيار، قبل ساعات قليلة من موجة التسريح الأولى، تراجع زوكربيرغ.
وسرحت ميتا 10% من موظفيها في اليوم التالي لكنها ألغت خطط التسريح المقررة في نوفمبر/تشرين الثاني، بحسب وثيقة داخلية اطلعت عليها “رويترز”.
في هذا التوقيت، كان موظفو ميتا في حالة تمرد صريح، مقتنعين بأن التخلص منهم هو من بين أهداف مبادرات التحول نحو الذكاء الاصطناعي التي تنفذها الشركة.
تساؤلات بشأن الإنفاق الهائل على الـAI
كما أن البيانات الداخلية كانت تشير إلى أن تقنية “الوكيل” الذكي المستقل، التي تشكل جوهر الاستراتيجية، تفشل في تحقيق مكاسب الإنتاجية المأمولة. وكان بعض المستثمرين يتساءلون عما حققته ميتا مقابل إنفاقها الهائل على الذكاء الاصطناعي.
يكشف هذا التقرير الخاص لأول مرة عن الوتيرة السريعة لعمليات التسريح التي كانت ميتا تدرسها والأفكار الكامنة وراء تلك الخطط وكيف انهارت سريعا.
واستنادا إلى عشرات الوثائق الداخلية والمنشورات والتسجيلات التي راجعتها “رويترز”، بالإضافة إلى محادثات مع ما يربو على 20 شخصا على دراية بآليات العمل الداخلية في ميتا، يوضح التقرير كيف حاولت شركة التواصل الاجتماعي العملاقة أن تضع نفسها في طليعة عملية إصلاح شاملة لمكان العمل مدفوعة بالذكاء الاصطناعي، لتتعثر في التنفيذ في نهاية المطاف.
وردا على هذا التقرير، أكدت ميتا وجود مشروع “التحول المؤسسي” الذي وصفته بأنه مشروع مدته عام واحد يركز على خفض التكاليف وإعادة تصميم هياكل فرق العمل وتحويل الموظفين إلى مجالات ذات أولوية جديدة، مثل إنتاج بيانات التدريب لنماذج الذكاء الاصطناعي الخاصة بها.
وأقرت الشركة بأن الخطة كان من المقرر تنفيذها على مرحلتين، وأن السيناريوهات الأكثر حدة تضمنت تقليص حجم بعض فرق عمل ميتا بنسبة تصل إلى 60%.
لكنها رفضت تحديد الوحدات المعنية، وقالت إن عددا من الوحدات الرئيسية ليس جزءا من الخطة. وقالت ميتا إن السيناريوهات شملت كلا من التسريح وإعادة توزيع الموظفين، وإن الشركة لم تكن تنوي في أي وقت من الأوقات تسريح 60% من إجمالي قوتها العاملة.
وأوضحت أن قيادات الشركة ألغت خطط الموجة الثانية قبل تحديد العدد الإجمالي للأشخاص الذين سيخسرون وظائفهم.
وقالت ميتا في بيان “في إطار عملية إعادة هيكلة شركتنا في وقت سابق من هذا العام، طلبنا من بعض الفرق إجراء تدريب لتخطيط السيناريوهات يبحث في التأثير المحتمل لإعادة توزيع الموظفين وإغلاق الوظائف الشاغرة وخفض العمالة… أدى ذلك في نهاية المطاف إلى نقل آلاف الموظفين لتولي أعمال ذات أولوية في عدة فرق أنشئت حديثا، وفقا لما أعلن عنه. وفي النهاية، لم نمض في تنفيذ كل سيناريو من سيناريوهات تدريب التخطيط – ولم يُفترض أبدا أننا سنفعل ذلك”.
ولم تتمكن “رويترز “من تحديد السبب الدقيق الذي دفع زوكربيرغ إلى تغيير مساره أو ما هي الخطط الحالية لعملاق وسائل التواصل الاجتماعي لمواصلة إعادة هيكلة قوته العاملة. وامتنعت ميتا عن إتاحة تعليق من زوكربيرغ.
دليل التحول إلى نموذج قائم على الذكاء الاصطناعي
منذ إطلاق شركة (أوبن إيه.آي) لأداة (تشات جي.بي.تي) في أواخر عام 2022، دأب قادة وادي السيليكون على استشراف الإمكانات الثورية التي قد يتيحها الذكاء الاصطناعي التوليدي لمستقبل العمل. وانجذبوا تحديدا إلى وعود تحملها القدرات ذاتية التنفيذ.
فوكلاء الذكاء الاصطناعي، هي تقنية لا تزال في مراحلها الأولى يجري تطويرها لتتجاوز قدراتها مجرد تقديم إجابات على الأسئلة كما تفعل روبوتات الدردشة التقليدية.
فبدلا من ذلك، يفترض أن تتمكن هذه الأنظمة من تنفيذ مهام بشكل مستقل مثل التسوق وحجز الرحلات وتطوير تطبيقات جديدة، دون الحاجة إلى تدخل بشري مباشر.
انغمس المسؤولون التنفيذيون في شركة ميتا العام الماضي في فلسفات إدارية مستوحاة من الذكاء الاصطناعي. وأذهلتهم الأفكار النابعة من عالم الشركات الناشئة حول ضرورة ألا تكتفي المؤسسات بدمج الذكاء الاصطناعي في عملياتها الحالية فحسب، بل أن تتحول بالكامل إلى نموذج “يعتمد في الأساس على الذكاء الاصطناعي”.
وفي تصور ورد بإحدى وثائق مشروع التحول المؤسسي “تتفاعل أدوات ووكلاء الذكاء الاصطناعي ويجري تسيير العمل آليا وتكون الإصدارات الجديدة قائمة على الذكاء الاصطناعي أولا”.
وتضمنت الاستراتيجية أيضا قيام ميتا ببيع وكلاء الذكاء الاصطناعي، الذين سيؤدون مهام مثل تحديد المواعيد وإتمام عمليات البيع، إلى شركات أخرى.
وزار مسؤولون تنفيذيون في ميتا، من بينهم أليكس شولتز الرئيس التنفيذي لشؤون البيانات ونعومي جليت رئيسة قسم المنتجات، آسيا العام الماضي وأعجبوا بالطريقة التي بنت بها الشركات الناشئة هناك هياكلها التنظيمية معتمدة على الذكاء الاصطناعي، وفقا لثلاثة مصادر على دراية بتلك الرحلات.
كما وجه المسؤولون التنفيذيون في ميتا بإجراء أبحاث خاصة بهم حول كيفية تنظيم الشركات الناشئة العاملة في مجال الذكاء الاصطناعي وأقاموا مشاريع تجريبية لتحديد ما يعنيه أن تكون الشركة معتمدة “في الأساس على الذكاء الاصطناعي”، وفقا لمصدر مطلع على الأبحاث والوثائق الداخلية التي تصف تلك المشاريع التجريبية.
وردا على سؤال في يونيو/حزيران حول نشأة عملية تحويل القوى العاملة في ميتا نحو الذكاء الاصطناعي، قالت جليت لرويترز إنها قضت “وقتا طويلا” في مكتب ميتا بسنغافورة العام الماضي، وأضافت أن الممارسات هناك “ألهمت بعض الفرق في كاليفورنيا ونيويورك”.
وأوضحت أن كثيرا من الأفكار كانت تأتي “من القاعدة إلى القمة”، مما يعكس كيف بدأ بعض موظفي ميتا بالفعل في تنفيذ التغييرات بأنفسهم.
أعلن إيمي أرتشيبونج، نائب الرئيس المخضرم لإدارة المنتجات، عن أحد أقدم المشاريع التجريبية لشركة ميتا في يوليو تموز العام الماضي. وفي منشور داخلي، وصف كيف كان فريقه يخطو خطوته الأولى نحو عملية تطوير المنتجات، مستعينا بمصطلحات رياضية لتوضيح هذا التحول.
وكتب أرتشيبونج “في كرة السلة، يتيح لك اعتماد الهجمات الخاطفة تسديد المزيد من الرميات بل ورميات أفضل. ونتوقع الأمر نفسه مع أدوات الذكاء الاصطناعي: فهي تسمح لنا باستكشاف المزيد من الأفكار بتكلفة أقل ودقة أعلى”.
وتوقع أن النماذج الأولية المنشأة سريعا بالذكاء الاصطناعي ستشبه المنتجات النهائية بشكل أكبر من ذي قبل.
وقال “هذا ليس مجرد أمر أكثر متعة – ففي عصر يضع الذكاء الاصطناعي في المقام الأول، نعتقد أنها الاستراتيجية الرابحة”.
الذكاء الاصطناعي أكثر متعة
وألمح زوكربيرغ أيضا إلى إمكانية أن يجعل الذكاء الاصطناعي العمل “أكثر متعة بكثير” في مؤتمر عبر الهاتف حول الأرباح عُقد بعد 6 أشهر.
من الناحية العملية، تضمنت التجربة الرائدة التي أجراها أرتشيبونج إنشاء 5 “مجموعات تقنية صغيرة”، تتألف كل منها من مهندسين اثنين إلى ثلاثة ومصمم واحد، وجميعها مزودة بأدوات الذكاء الاصطناعي.
وكتب في منشوره أن هذه المجموعات تتخلى عن العمليات التقليدية المعمول بها لإطلاق المنتجات الجديدة، مثل دورات التخطيط الثابتة الممتدة لستة أشهر. وبدلا من ذلك، تهدف إلى بناء نماذج أولية في عمليات سريعة مدتها أربعة أسابيع.
وفي أكتوبر/تشرين الأول، قدم أحد أعضاء فريق أرتشيبونج لمحة عن تطبيق أوسع نطاقا لهذا النهج. ففي منشور داخلي بعنوان “دليل التحول إلى نموذج قائم على الذكاء الاصطناعي” وضع هذا الشخص دليلا للفرق الأخرى “لتحقيق هذه القفزة”.
ستختفي الأدوار التقليدية لمصممي المنتجات والمهندسين، وسيحصل أعضاء المجموعات التقنية على لقب عام جديد وهو “البنّاء”. وستُلغى مستويات الإدارة الوسطى. وبدلا من ذلك، ستقدم المجموعات تقاريرها إلى رئيس وحدة واحد رفيع المستوى. وسيساهم “التحليل بمساعدة الوكلاء” في تحديد الأولويات اليومية.
وامتنعت ميتا عن إتاحة أرتشيبونج للتعليق أو للإجابة على الأسئلة المتعلقة ببرامجها التجريبية المبكرة “القائمة في الأساس على الذكاء الاصطناعي”.
وفي أوائل هذا العام، أطلق زوكربيرغ مشروع التحول المؤسسي ووجه المديرين التنفيذيين للمضي قدما في إجراء التغييرات على الهياكل الإدارية.
وبحلول يونيو/حزيران، كانت 11 وحدة على الأقل، بما في ذلك فرق الهندسة والأبحاث، قد طبقت نظام المجموعات الصغيرة، وفقا لإعلانات داخلية وخمسة مصادر على دراية بهذه الترتيبات.
نهج القرية
وجاء في إعلان داخلي صادر عن إحدى الوحدات أن ميتا أدخلت “نهج القرية” في إدارة الموظفين مع هذه التغييرات.
وذكر الإعلان أن تقييمات الأداء الوظيفي والترقيات سيتخذها رؤساء الوحدات الكبار، أو “قادة المنظمة”، بدعم من موظفي الموارد البشرية و”أنظمة ذكاء اصطناعي” غير محددة.
وسيشرف كل رئيس وحدة على ما بين 30 و50 شخصا، في حين سيتولى “قادة المجموعات” توجيه المجموعات الصغيرة يوميا، لكن دون أن يتمتعوا بسلطة إدارية رسمية، وفقا للمصادر والإعلانات.
وعبر أحد موظفي ميتا المكلف بإدارة مجموعة صغيرة عن ارتباكه بشأن الهيكل الجديد على لوحة رسائل داخلية للشركة، وفقا لنسخة من المنشور. وكتب هذا الشخص “أنا لا أخضع لتدريب على الإدارة، ولا أحصل على حق الوصول إلى أدوات التقييم والإدارة”.
وأبلغت ميتا رويترز بأن الفرق “جربت طرقا مختلفة لتكون أكثر مرونة”. ورفضت الشركة توضيح إشارة المنشور إلى “أنظمة الذكاء الاصطناعي”، لكنها قالت “قرارات تقييم الأداء والترقيات كانت ولا تزال يتخذها البشر، وليس الذكاء الاصطناعي”.
في الوقت نفسه تقريبا، كشفت وثيقة داخلية اطلعت عليها “رويترز” أن ميتا أطلقت أيضا أداة جديدة للموارد البشرية لتحديد “المواهب التي لا يمكن الاستغناء عنها”.
وأشارت الوثيقة إلى نموذج افتراضي يُسمى “صاحب الأداء الأكثر إنتاجية بعشر مرات” – في إشارة إلى النموذج النمطي السائد في وادي السيليكون منذ عقود، وهو المهندس القادر على إنجاز عمل 10 أشخاص.
وعاد هذا المصطلح إلى الواجهة الآن، إذ يعتقد كثيرون من المتحمسين للذكاء الاصطناعي أن هذه التكنولوجيا ستمكن الأفراد فائقي الموهبة من أداء عمل فرق بأكملها.
ووفقا لمصدرين مطلعين على الأمر، كانت ميتا تعتزم إنفاق جزء من الأموال الموفرة من عمليات التسريح على حزم رواتب ضخمة لجذب هذه المواهب والاحتفاظ بها، لا سيما نجوم هندسة الذكاء الاصطناعي.
تمرد الموظفين
في 13 مارس/آذار، حتى قبل إطلاع كثيرين من القادة على مستوى نائب الرئيس على مشروع التحول المؤسسي، أفادت رويترز بأن ميتا تخطط لعمليات تسريح قد تؤثر على 20% أو أكثر من قوتها العاملة.
لم تكن هذه هي المرة الأولى التي تجرى فيها عمليات تسريح بهذا الحجم، فبين أواخر عام 2022 وأوائل عام 2023، سرحت ميتا نحو 25% من موظفيها.
ومع ذلك، أثار التقرير القلق. فقد شعر كثيرون من الموظفين العاديين بالارتباك. ولم يكن من المفترض أن يعلموا حينها بأمر عمليات التسريح مما أزعج زوكربيرغ وترك المديرين التنفيذيين غير مستعدين لردود الفعل، وفقا لمصدر مطلع على الأمر.
ووصف متحدث باسم ميتا في ذلك الوقت التقرير بأنه “تكهنات صحفية بشأن تصورات نظرية”.
داخليا، اتخذ كبار المديرين التنفيذيين موقفا دفاعيا. فقد اختاروا عدم مناقشة التقرير مع الموظفين العاديين واكتفوا بتجاهله بهدوء أمام المديرين الكبار وأصدروا تعليمات لهم بإخبار فرقهم بأن يتوقعوا “تطور” أدوارهم نتيجة للذكاء الاصطناعي، وفقا لوثيقة نقاط الحوار التي اطلعت عليها رويترز.
وفي أبريل/نيسان، نشرت “رويترز” مزيدا من التفاصيل: كانت ميتا تستعد لتسريح حوالي 10% من قوتها العاملة في موجة أولى من التسريحات في 20 مايو/أيار، وكانت تعتزم الاستغناء عن المزيد من الموظفين في النصف الثاني من العام.
وسرعان ما أكدت ميتا خطة تخفيض 10% من الموظفين، وأبلغ زوكربيرغ الموظفين لاحقا بأن عمليات التقليص سببها النفقات الرأسمالية الضخمة.
هندسة الذكاء الاصطناعي التطبيقي
وكان المسؤولون التنفيذيون قد بدأوا المضي قدما في جوانب أخرى من الخطة. فعلى سبيل المثال، نُقل بعض المهندسين إلى وحدة جديدة تسمى “هندسة الذكاء الاصطناعي التطبيقي”، مكلفة بإنشاء ألغاز هندسية برمجية لاستخدامها كبيانات تدريبية لتحسين مهارات البرمجة في نماذج الذكاء الاصطناعي التابعة لميتا.
وسخر كثيرون من الموظفين من هذا العمل ووصفوه بأنه روتيني وممل في منشورات داخلية اطلعت عليها رويترز.
وأبلغت “ميتا” رويترز بأن الشركة بدأت ترى تقدما في عمليات إعادة توزيع الموظفين، مشيرة إلى أن البيانات التي أنتجتها وحدة هندسة الذكاء الاصطناعي التطبيقي ساعدت في تدريب نموذج للذكاء الاصطناعي أطلقته الشركة الشهر الماضي.
وبين عمليات إعادة التوزيع وتقليص الوظائف، انخفض عدد الموظفين في بعض الوحدات الهندسية بنسبة تصل إلى 30 بالمئة بحلول نهاية مايو أيار، وفقا لوثيقة ومصادر مطلعة على الخطة.
وأفادت “رويترز” في أبريل/نيسان أيضا بأن ميتا أمرت بتثبيت برنامج تتبع على أجهزة الموظفين في الولايات المتحدة لتسجيل ضغطات المفاتيح ونقرات الفأرة لتعليم وكلاء الذكاء الاصطناعي الذين تطورهم الشركة كيفية محاكاة تفاعل البشر مع أجهزة الكمبيوتر.
رسائل غاضبة وساخرة
وأغرقت أعداد كبيرة من الموظفين شبكة الاتصالات الداخلية لشركة ميتا برسائل غاضبة وساخرة بروح الكوميديا السوداء، اعتقادا منهم بأنهم ربما يدربون بدائلهم من الذكاء الاصطناعي، مدفوعين بالغضب من غياب التفاصيل حول عمليات التسريح.
ورد الموظفون على المنشورات الداخلية للمديرين التنفيذيين بصور لفيلة، في إشارة إلى أن عمليات التسريح هي “الفيل في الغرفة”، أي القضية الواضحة التي يتجنب الجميع الحديث عنها، وفقا لأمثلة اطلعت عليها رويترز.
واشتبك بعض الموظفين بشكل مباشر مع أندرو بوسورث، كبير مسؤولي التكنولوجيا في ميتا، الذي أشرف على عملية التحول إلى الذكاء الاصطناعي وكان يدافع عنها في التعليقات المنشورة.
وسخر أحدهم من زوكربيرغ، مشبها بشكل ساخر إعلانه الداخلي عن مبادرة الذكاء الاصطناعي للشركات الصغيرة بشخصية بروميثيوس الذي أعطى النار للبشرية في الأساطير اليونانية. وامتنعت ميتا عن إتاحة بوسورث للتعليق.
وهوت معنويات الموظفين. وانخفض المقياس الداخلي لميتا لمعنويات الموظفين الإيجابية من 74% إلى 55%، بحسب استطلاع بالس نصف السنوي الذي أجرته الشركة. واكتسبت جهود التنظيم النقابي زخما.
وسط هذه الموجة من التمرد، أشارت بيانات داخلية أخرى إلى أن التكنولوجيا التي تشكل جوهر الخطة لم تحقق النتائج المرجوة.
وأدى استخدام الموظفين للذكاء الاصطناعي إلى زيادة هائلة في الشفرة التي أنتجوها، لكن تأثيرها على الإنتاجية كان موضع شك، وفقا لمنشورات داخلية اطلعت عليها رويترز.
فعلى سبيل المثال، ارتفعت تغييرات الشفرات التي أُجريت على منصات البرمجيات الداخلية والبنية التحتية التي يستخدمها الموظفون في عملهم بنسبة 220% على أساس سنوي، وفقا لمنشور لبوسورث في أوائل يونيو/ حزيران. لكن التغييرات التي أدت إلى وصول ميزات جديدة أو محدثة إلى مستخدمي ميتا زادت 36% فقط.
وأشار منشور داخلي إلى أن فرق البنية التحتية كانت تنبه منذ مارس/آذار إلى “علامات تحذيرية تتعلق بالموثوقية” ناجمة عن الطفرة في البرمجة باستخدام الذكاء الاصطناعي.
وأشار منشور آخر في أبريل/نيسان إلى أن وكلاء الذكاء الاصطناعي غير الخاضعين للرقابة كانوا ينفذون “أعمالا تخريبية واسعة النطاق من غير المرجح أن يقوم بها البشر”.
والنتيجة: ارتفعت الحوادث الفنية والأمنية الكبرى، مثل انقطاع الخدمة والتسريبات المحتملة للبيانات، بنسبة 40% مقارنة بالعام السابق، مع زيادة الوقت الذي اضطر الموظفون إلى قضائه في “إخماد الحرائق” بنسبة 70%، وفقا للمنشورات الداخلية.
ورأى المستخدمون لمحة عن المشكلة في أوائل يونيو/حزيران بعد أن استغل متسللون إلكترونيون روبوت دعم العملاء الجديد المدعوم بالذكاء الاصطناعي التابع لشركة ميتا للوصول إلى حسابات مهمة على إنستغرام، بما في ذلك حساب صفحة البيت الأبيض الخاصة بالرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، التي لم تعد نشطة.
وأحجمت ميتا عن التعليق على البيانات الداخلية المتعلقة بالاضطرابات الناجمة عن الذكاء الاصطناعي.
ومع تراكم الضغوط، غيّر زوكربيرغ مساره. فقبل ساعات من تنفيذ ميتا الموجة الأولى من عمليات التسريح في إطار مشروع التحول المؤسسي في 20 مايو أيار، تشاور مرة أخرى مع كبار مساعديه وألغى الموجة الثانية من إعادة الهيكلة المقررة في نوفمبر/تشرين الثاني. وفي صباح اليوم التالي، مضت ميتا قدما في خفض عدد الموظفين بنسبة 10%.
لكن بعد إرسال الإخطارات، نشر زوكربيرغ مذكرة على منصة التواصل الداخلية، أخبر فيها الموظفين المتبقين في ميتا أنه “يتوقع عدم إجراء عمليات تسريح أخرى على مستوى الشركة هذا العام”، وعبر عن رغبته في منحهم مزيدا من “الاستقرار”.
محاولات لرفع الروح المعنوية
ثم حاول المسؤولون التنفيذيون رفع الروح المعنوية. فشجعوا رؤساء الوحدات على أخذ مشاعر الموظفين في الاعتبار، وأوقفوا مؤقتا برنامج تتبع حركة الفأرة وسمحوا لبعض الموظفين في وحدة هندسة الذكاء الاصطناعي الجديدة بالعودة إلى فرقهم القديمة وأرسلوا المديرة المالية سوزان لي لتعزيز المزايا.
وفي الأسابيع التي أعقبت عمليات التسريح، توالت المنشورات التعاطفية من المسؤولين التنفيذيين على منصة التراسل الداخلية، إلى جانب تعهدات بتحسين جودة الوجبات الخفيفة في المكاتب وزيادة الإنفاق على السفر والفعاليات الاجتماعية. وامتنعت ميتا عن إتاحة لي للتعليق على هذا التقرير.
وفي أوائل يوليو/تموز، ظهر زوكربيرغ بشكل مفاجئ في اجتماع داخلي عام واعترف بوجود أخطاء في تقدير توقيت عملية إعادة التنظيم.
وقال إن تكنولوجيا وكلاء الذكاء الاصطناعي لم “تتسارع” بالوتيرة التي كان يتوقعها. وأضاف أنه يتوقع أن تتحسن هذه التكنولوجيا وتبدأ في إظهار المزيد من الفوائد خلال الأشهر الثلاثة إلى الستة المقبلة.
ومع تراجع زوكربيرغ عن الجوانب الأكثر إرباكا في عملية التحول الداخلي نحو الذكاء الاصطناعي، أطلق أيضا حملة علاقات عامة مكثفة لتسويق ميتا كشركة تركز على البشر. تضمنت الحملة إعلانا مصورا يقول إن الشركة “تراهن على البشر”.
وفي الحملة، التي تضمنت أيضا مقالا نُشر في الآونة الأخيرة من 6500 كلمة لاستعراض رؤيته لمستقبل الذكاء الاصطناعي، سلط الرئيس التنفيذي الضوء على خطط ميتا لجعل إنشاء وكلاء الذكاء الاصطناعي أكثر سهولة في الاستخدام، بينما يصور المنافسين الذين لم يذكر أسماءهم على أنهم القتلة الحقيقيون للوظائف.
وفي منشور داخلي في يونيو حزيران، قال للموظفين “نحن الشركة الكبرى الوحيدة التي تركز على تمكين الناس ووضع قوة هذه التكنولوجيا الجديدة في أيدي مليارات الأشخاص عبر جميع منتجاتنا – بدلا من التركيز بشكل أساسي على أتمتة العمل (تسييره آليا)”.
ومع ذلك، فقد التزم زوكربيرغ بعبارتي “على مستوى الشركة” و”هذا العام” عند مناقشة مسألة التسريح مع الموظفين، وفقا لاتصالاته الداخلية.
ودفع ذلك بعض الموظفين إلى التكهن بأنه سيواصل تقليص الموظفين من خلال عمليات تسريح محددة لكل فريق أو حالات فصل على أساس الأداء – أو تأجيل تسريح الموظفين على مستوى الشركة حتى العام المقبل.
وتواجه الشركة ضائقة نقدية وتدقيقا من المستثمرين بسبب إنفاقها المذهل على الذكاء الاصطناعي، مما يزيد من الضغط لخفض الإنفاق.
وتخطط ميتا لاستثمار ما لا يقل عن 130 مليار دولار في رقائق الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الأخرى هذا العام، وهو ما يتوقع المحللون أنه سيستنزف السيولة التشغيلية للشركة في عام 2026، وفقا لتقديرات مجموعة بورصات لندن.
وفي مقاله حول مستقبل الذكاء الاصطناعي، بعنوان “المستقبل للجميع”، يتنبأ زوكربيرغ باحتمال وجود “وفرة من الوظائف في المستقبل”. لكن بعض الشركات قد ينتهي بها الأمر بعدد أقل من الموظفين.
وكتب “قد تتقلص أحجام الشركات – تماما كما حدث في الانتقال من عمالقة الصناعة إلى شركات التكنولوجيا… لكن هذا لا يعني انخفاضا في عدد الوظائف بشكل عام. بل يعني وجود عدد أكبر من الشركات بعدد أقل من الموظفين في كل منها”.
المصدر: العربية – اقتصاد



