وحدة الأمة لا تعني وحدة الآراء
إن عقيدة التوحيد التي جاء بها الإسلام هي التي توجه فكر المسلم وسلوكه وعواطفه، وقد ربط القرآن الكريم بين توحيد الله ووحدة الأمة، فقال تعالي: ﴿إِنَّ هَذه أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾، ولذلك كانت الدعوة إلى الوحدة والاعتصام بحبل الله، ونبذ التنازع والفرقة، من المعاني المركزية في الإسلام.
وحدة الأمة لا تعني إلغاء الاختلاف، كما أن اختلاف الآراء لا يعني بالضرورة تفرق الأمة، واختلاف المذاهب الفقهية في الفروع كان ولا يزال مظهراً من مظاهر سعة الشريعة ومرونتها، وقد نشأ عن أسباب علمية معتبرة، منها اختلاف فهم النصوص، وتقدير المصالح، واختلاف الأعراف والعادات، وغيرها من أسباب الاجتهاد، ولهذا بقيت المذاهب متعددة، وكان المقصود في مشروعات التقريب بين المذاهب هو تقريب وجهات النظر واحترام التنوع، لا إلغاء المذاهب ودمجها في رأي واحد.
وقد اختلف الصحابة والتابعون في مسائل كثيرة، ولم يكن اختلافهم سبباً في التبديع أو التضليل أو القطيعة؛ لأنهم أدركوا الفرق بين الاختلاف الذي تقتضيه طبيعة الاجتهاد، والافتراق الذي يمزق المجتمع والجماعة، ومن هنا جاءت القاعدة التي قررها العلماء: وحدة الأمة لا تعني وحدة الآراء، كما أن اختلاف الآراء لا يستلزم منه تفرق الأمة.
وتظهر خطورة الانحراف حين تُنقل المسائل الاجتهادية التي تحتمل تعدد الأقوال إلى دائرة العقائد، فيتحول الخلاف الفقهي إلى اتهام بالكفر أو الشرك، ولهذا احتاط العلماء في باب التكفير، حرصاً على صيانة الدماء والأعراض وحفظ المجتمع كله، ومن هنا فإن حماية وحدة الأمة تبدأ من ترسيخ ثقافة الاختلاف المنضبط، والتمييز بين القطعي الذي لا مجال للاختلاف فيه، والظني الذي يتسع للاجتهاد، وبين الخطأ الذي يناقَش بالحجة والنصيحة، وبين التكفير الذي يمزق المجتمع. لقد أمرنا الله تعالي بالدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، ولم يجعل تكفير الناس أو تبديعهم غاية من غايات التدين، والأمة لا ينبغي أن تمزقها اختلافات الفروع، ولا أن تتحول مسائل الاجتهاد فيها إلى ألغام تهدد وحدتها وسلامها.
وصفوة القول في أربع نقاط:
الأولى: أن كل من شهد أن لا إله إلا الله مؤمناً بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، هو مسلم من أهل القبلة، لا يجوز تكفيره أو اتهامه بأنه أشرك بالله وخرج من الإسلام.
الثانية: أن العبادات والمعاملات والأحوال الشخصية والأخلاق والآداب والعقوبات.. إلخ، كل هذه المحاور حدثت فيها اجتهادات وتنوعت فيها في الفروع، من عصر الصحابة حتى اليوم، وكان هذا التنوع مصدر ثراء وتكامل وقبول، لا مصدر شقاق وتكفير ونزاع.
الثالثة: أنه لا يمكن جمع الناس على مذهب واحد بعد اتفاقهم على كلمة التوحيد، وأن ألغام التكفير تنفجر في وجه المجتمع، عندما ننقل مسألة اجتهادية من الفقه وفروع الدين، إلى العقائد وأصول الدين، هنا تنفجر ألغام التكفير.
الرابعة: أن الله لم يتعبدنا بتكفير الناس ولا تبديعهم ولا تفسيقهم، لكن أمرنا بدعوتهم بالحسني، والسلطة الوحيدة التي خوّلها الإسلام من شخص للآخر هي سلطة الموعظة الحسنة، والكلمة الطيبة، والنصيحة لله ورسوله ولعامة المسلمين، وهذه النصيحة حق لكل مسلم إلى الحاكم أو المحكوم أو الغني أو الفقير أو المتعلم أو الجاهل أو الكبير أو الصغير، طالما كانت منطلقة من مبدأ الإصلاح، ومحفوفة بالأخلاق، وفي موضعها الصحيح.
نقلاً عن الوطن
المصدر: العربية – سياسة





