الصين لا تحتاج إيران.. 90% من النفط تكشف حدود العلاقة بين بكين وطهران
رغم وصف طهران للصين بأنها حليف استراتيجي، تكشف أرقام التجارة والاستثمار عن علاقة تبدو أقرب إلى المصالح المتبادلة منها إلى تحالف لا غنى لأي من الطرفين عنه، إذ تعتمد إيران بدرجة كبيرة على السوق الصينية، في حين تمتلك بكين بدائل متعددة لمصادر الطاقة وشركاء اقتصاديين آخرين في المنطقة.
وبحسب بيانات أوردتها “بلومبرغ”، تستحوذ الصين على نحو 90% من صادرات النفط الإيراني، ما يجعل السوق الصينية شرياناً اقتصادياً بالغ الأهمية لطهران، خصوصاً في ظل العقوبات الأميركية التي تقيد قدرة إيران على الوصول إلى الأسواق العالمية.
النفط يتجه لخسارة أسبوعية رغم استمرار توترات إيران
لكن الصورة تبدو مختلفة عند النظر إليها من الجانب الصيني؛ إذ تمثل إيران أقل من 1% من إجمالي تجارة الصين، بينما تستحوذ الصين على نحو ثلث تجارة إيران، ما يعكس تفاوتاً كبيراً في درجة اعتماد كل طرف على الآخر.
النفط الإيراني مهم.. لكنه ليس حاسماً للصين
ورغم أهمية النفط الإيراني بالنسبة إلى الصين، فإن الكميات القادمة من طهران لا تمثل سوى نحو 10% من واردات الصين النفطية المنقولة بحراً.
ويعني ذلك أن الصين تستفيد من النفط الإيراني، لا سيما مع حصولها عليه بأسعار مخفضة، لكنها في الوقت ذاته لا تعتمد عليه إلى درجة تجعلها غير قادرة على استبداله بمصادر أخرى.
وهنا تكمن إحدى المفارقات الرئيسية في العلاقة: إيران تحتاج السوق الصينية بشدة، بينما تستطيع الصين تنويع مصادرها وشركائها.
400 مليار دولار.. أين ذهبت الاستثمارات؟
وتظهر الفجوة بصورة أوضح عند الانتقال من التجارة إلى الاستثمار. ففي عام 2021 وقعت الصين وإيران اتفاقية شراكة استراتيجية تمتد 25 عاماً، وتحدثت تقارير آنذاك عن استثمارات صينية محتملة في إيران تصل إلى 400 مليار دولار.
لكن حجم الاستثمارات التي تأكد تنفيذها منذ توقيع الاتفاقية جاء أقل بكثير من تلك التوقعات، إذ تشير البيانات الواردة في النص إلى استثمارات فعلية تتراوح بين 2 و3 مليارات دولار، بينما بلغ رصيد الاستثمار الصيني في إيران نحو 4.5 مليار دولار حتى نهاية 2024.
وفي المقابل، استثمرت الصين نحو 9.5 مليار دولار في الإمارات ونحو 16 مليار دولار في السعودية، وفق الأرقام الواردة في المادة.
وتشير هذه الفجوة إلى أن العلاقات السياسية بين بكين وطهران لم تتحول بالضرورة إلى تدفقات استثمارية ضخمة مماثلة لما شهدته الصين مع شركاء إقليميين آخرين.
لماذا تبقي الصين العلاقة مع إيران؟
بالنسبة إلى بكين، توفر إيران مجموعة من المصالح المهمة، في مقدمتها النفط بأسعار تنافسية، والموقع الجغرافي، والتعاون التجاري والدبلوماسي.
لكن الحفاظ على هذه المصالح لا يعني بالضرورة الدخول في تحالف أمني أو عسكري ملزم.
فالصين تعمل في الوقت نفسه على توسيع علاقاتها مع مختلف القوى الاقتصادية والسياسية في الشرق الأوسط، بما في ذلك السعودية والإمارات، ما يمنحها مساحة واسعة للمناورة ويقلل من حاجتها إلى الاصطفاف الكامل مع طرف واحد.
المعادلة غير المتوازنة
تكشف الأرقام في النهاية عن علاقة ذات اعتماد غير متكافئ، فإيران تعتمد على الصين لتصريف الجزء الأكبر من صادراتها النفطية، فيما تمثل إيران حصة صغيرة جداً من تجارة الصين العالمية.
ويجعل ذلك بكين في موقع تفاوضي أكثر قوة، ويمنحها القدرة على الاستفادة من العلاقة مع طهران دون تقديم التزامات أمنية أو عسكرية تتجاوز مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية.
وقد تكون المعادلة الأدق لوصف العلاقة بين البلدين وفقاً للواقع: الصين تريد إيران، لكنها لا تحتاج إليها بالقدر نفسه الذي تحتاج فيه إيران إلى الصين، وهنا تكمن الفجوة بين “الشراكة الاستراتيجية” سياسياً و”علاقة المصالح” اقتصادياً.
المصدر: العربية – اقتصاد


