حقوق الإنسان بين المؤسسية وتضييق الخناق
هالني كأحد المهتمين بالشأن العام، وبالحالة الحقوقية المصرية، الخبر الذي أعلنته مؤسسة قضايا المرأة المصرية بتعليق العمل بالمؤسسة خلال شهر أغسطس الحالي، وذلك على أثر صعوبات وتحديات أبرزها، تعرض المؤسسة لرفض متكرر من قبل وزارة التضامن الاجتماعي للعديد من المشروعات التنموية والحقوقية الموجهة لتمكين المرأة في المجتمع المصري، ذلك بخلاف تسويف الرد على بعض المشروعات الأخرى، مما دفع الجهات المانحة لسحب تمويل هذه المشروعات. وهذا ما أدى إلى تراجع الموارد المالية للمؤسسة، في ظل انتهاء مشروعات قائمة، وغياب التمويل عن المشروعات الجديدة في ظل التعنت الإجرائي من قبل وزارة التضامن الاجتماعي، وهو الأمر الذي أنتج ضعفاً عاماً في الموارد المالية، مما يُعجِز المؤسسة عن سداد إيجار المقر، أو سداد رواتب العاملين، ومما هو جدير بالذكر، أن المؤسسة قد لجأت إلى القضاء الإداري للطعن على قرارات الجهة الإدارية بالامتناع عن الموافقة على المشروعات أو التأخر في منح الموافقة خلال آجال معقولة.
فهل تتعمد الأجهزة الإدارية للدولة في عرقلة عمل المؤسسات الحقوقية، والتي عملت من خلال قوانين الدولة وتحت مظلتها الحمائية، ومن خلال تسجيلها في وزارة التضامن؟ وهل يمثل ذلك استحداثاً لأساليب عرقلة العمل الحقوقي أو التنموي أو التضييق على الحقوقيين، بعد أن أغلقت الدولة ملف القضية رقم 173 الخاصة بالتمويل الأجنبي، مما يشكل معه استحداث نماذج جديدة من التضييق على العمل الأهلي أو الحقوقي، والذي لا يمكن أن يخلو منه أي مجتمع حداثي؟ كما أن التضييق على عمل المؤسسات الحقوقية التي اختارت النسق القانوني للعمل من خلاله، قد يؤدي إلى تعثرات محلية في بناء الحركة الحقوقية الداخلية، إلا أنه لا يأتي بأي إيجابيات على الملف الحقوقي المصري بأكمله، أو على الحالة الحقوقية المصرية، وهو ما يصب في الخانة السلبية حال مراجعة الملف الحقوقي المصري، ضمن المراجعات الدورية.
وإذ إن فرص درء المخاطر المحدقة بالعمل الأهلي أو قطع الطريق على بعضها، يقتضي التمسك الصارم، أكثر من أي وقت مضى، بالأسس والمبادئ التي تكفل حرية العمل الأهلي واستقلاليته، والتمسك بالمعايير الدولية المتعارف عليها في المجتمعات الديمقراطية، لضمان حرية تكوين الجمعيات، وهو ما يقتضي بالدرجة الأولى فضح الفلسفة، والأسس التي يقوم عليها قانون الجمعيات برمته، أو ما تقوم به الجهة الإدارية المنوط بها مراجعة ملف المشروعات أو التمويل الوارد واللازم لعمل تلك المؤسسات. كما أن التخلي عن المعايير الدولية لحرية التعبير والحق في التجمع وفي تكوين منظمات غير حكومية، لا يفيد إلا في المساهمة في تعبيد الطريق أمام مشروع قانون لخنق المجتمع المدني.
والمستفيد الوحيد من حسن النوايا والطوايا في هذه المناسبات، هم من أنهوا مشروعهم لخنق منظمات المجتمع المدني.
كما أن منظمات المجتمع المدني لا تبدأ من فراغ، فعبر سنوات طويلة من العمل المتواصل في مواجهة القيود القانونية على العمل الأهلي، نجحت هذه المنظمات في بلورة الأسس والمبادئ التي تؤمن استقلالية العمل الأهلي وديمقراطيته، ولديها من الدراسات القانونية ما يكفي، فضلاً عن مشروع قانون بديل للجمعيات الأهلية سبق أن تبناه بعض أعضاء البرلمان. وأي نظام قانوني يتدخل للحد أو لمصادرة أو للتضييق على حرية التنظيم والحق في تكوين الجمعيات، وما يرتبط إجمالاً بالحق في التجمع من حقوق، أو يفرض قيوداً على التمتع بهذه المجموعة من الحقوق الأساسية، يعكس البنية الاستبدادية للنظام السياسي، ومدى تغوّله على حقوق الإنسان وعدم احترامه لها، كما أن أي نظام سياسي يحول بين المواطنين وحقهم في المشاركة تنظيماً من خلال جمعيات أو مؤسسات أو أي أشكال تنظيمية، قد تساعد على إدارة دفة البلاد من خلال خلق توازنات في مناطق الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، فإنه بذلك لا يسعى سوى لخنق المجال العام برمته، وإقصاء الأفراد عن المشاركة في شؤون بلادهم، ولا يقدر أحكام الدستور الذي يعد الإطار العام لكل أمور البلاد بما فيها الحكم والسلطات.
إذ يجب على الدولة تيسير عمل مؤسسات المجتمع المدني ومعاونتها في القيام بدورها في تعظيم وتفعيل المبادئ الحقوقية، إذ إنها تعد شريكة للدولة في هذا الصدد، ولا يجب إثقالها بالقيود الشكلية، ويجب إنفاذ القوانين المنظمة لعملها بما يتوافق مع دورها المرسوم في الاتفاقيات الدولية المنظمة للحقوق، إذ إنه في نهاية المطاف يتعلق الأمر بالتمكين الذي يستلزم أن يشارك الأفراد في تحديد حقوقهم وحرياتهم.
فبالإضافة إلى دور الرصد الذي يلعبه من أجل احترام حقوق الإنسان واحترام القوانين ودسترتها والحفاظ على السلامة الجسدية وصيانة الأموال المكتسبة بطريقة شرعية، وهي أمور توجد في صلب الحماية والتمكين، وتعزيز الضمانات الدستورية في مجال حقوق الإنسان.
ولكن وفي ظل السياسات الواقعية التي تسلك نهج التضييق على المؤسسات الحقوقية، ولا تأبه للحالة الحقوقية الداخلية إلا وفق ما يتماشى مع رغبة السلطة في الملف الحقوقي، هذا بخلاف ما يتم توجيهه من اتهامات للعاملين بالمجال الحقوقي، من أنهم أصحاب أطروحات فكرية غربية أو غريبة عن المجتمع المصري، وأنهم يعملون وفق رؤى من يقدمون لهم الدعم المالي، مستغلة في ذلك تملكها الواسع للأدوات الإعلامية، بما يسعى لخلق حالة من الفصام ما بين عمل المؤسسات الحقوقية، وبين القاعدة العريضة للمجتمع المصري، مستهدفة بذلك تهميش ما تقوم به من أعمال أو ما تقدمه من تقارير، ترصد خروقات أو سلبيات الحكومة في المجال الحقوقي، بما يؤرق بيئة العمل الحقوقية، ويجعلها بيئة غير آمنة.
ومن هنا، فإنه يجب على الدولة أن تنظر إلى ملف دعم وحماية حقوق الإنسان كأحد أهم الثوابت الوطنية، التي يشكل الالتزام بها أساساً لمجتمع يقوم على مبادئ المساواة والعدل وتكافؤ الفرص بين جميع المواطنين، ولا تدخر جهداً في سبيل تعزيز احترام حقوق الإنسان، وصون كرامته الأساسية، وتوفير السبل والضمانات اللازمة لتمكين المواطن من التمتع بحقوقه المدنية، والسياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، وترسيخ الممارسة الصحيحة لحقوق الإنسان في سلوكيات المواطنين، في إطار من التزام أصيل بنصوص الدستور، والتزامات الدولة المقررة بموجب المواثيق والاتفاقيات الدولية.
ويعني التزام الدولة باحترام حقوق الإنسان أنه يتوجب على الدول أن تمتنع عن التدخل، بمعنى حظر أي أفعال من جانب الحكومات قد تُقوض التمتع بالحقوق.
<p>The post حقوق الإنسان بين المؤسسية وتضييق الخناق first appeared on masr360.</p>
المصدر: مصر 360





