عقل لا يعرف السكون
كانت تقف أمام طلابها تشرح لهم كيف يختطف الهوس عقل الإنسان، ثم تعود إلى بيتها وفي رأسها الخاطف نفسه، هذه ليست حبكة رواية، بل حكاية كاي ريدفيلد جاميسون Kay Redfield Jamison، أستاذة الطب النفسي والباحثة التي أصبحت واحدة من أشهر المتخصصين في اضطرابات المزاج، بينما كانت تخوض سراً حرباً شخصية مع واحد من أقسى هذه الاضطرابات: Bipolar Disorder، الاضطراب ثنائي القطب.
المخيف في هذا المرض أن بدايته لا تبدو دائماً مرضاً. أحياناً تبدو هدية، في نوبات الهوس كانت جاميسون تشعر بطاقة هائلة، تنام قليلاً ولا تتعب، تتزاحم الأفكار في رأسها، تتسارع الكلمات، وتتضخم الثقة بالنفس، العالم كله يصبح مشروعاً مفتوحاً، والمستحيل مجرد كلمة اخترعها الكسالى. ومن أشهر ما روته عن تلك الفترات أنها اندفعت في التسوق بصورة جنونية، اشترت أشياء بكميات لا تحتاج إليها، بينها عدد هائل من أواني الزهور. المشكلة أن العقل أثناء الهوس يستطيع أن يخترع لكل قرار مبرراً عبقرياً. ثم تنتهي الحفلة، تصل الفواتير، ويعود الحساب، لكن الفاتورة الأخطر لم تكن مالية، بعد الصعود جاء السقوط.الاكتئاب في ثنائي القطب ليس مجرد «زعل»، إنه انسحاب مفاجئ للكهرباء من الروح. العقل الذي كان قبل أيام يقفز بين عشرات الأفكار يصبح عاجزاً عن احتمال فكرة واحدة. المرأة التي شعرت أنها تستطيع ابتلاع العالم أصبحت عاجزة عن احتمال وجودها فيه. وصلت جاميسون إلى محاولة الانتحار بجرعة دوائية زائدة، ونجت. وهنا تظهر المفارقة الأكثر قسوة في قصتها: كانت تعرف العلاج، لكنها قاومته، وُصف لها الليثيوم، أحد أهم مثبتات المزاج. كانت تعرف كعالمة ماذا يفعل، لكنها كانت تخشاه كمريضة. ماذا لو أطفأ الدواء المرض ومعه النار التي تحبها؟ ماذا لو اختفت سرعة الأفكار؟ ماذا لو كان ثمن الاستقرار أن تصبح أقل إبداعاً وأقل حيوية؟ ذلك هو الفخ الذي لا يفهمه كثيرون في الBipolar: قد يكره المريض اكتئابه، لكنه قد يشتاق إلى هوسه، نحن نطلب منه أن يتخلى عن شيء قد يُشعره بالقوة والسحر والنشوة، لأنه يعرف، أو ينبغي أن يعرف، أن الأجنحة التي ترفعه عالياً قد تكون هي نفسها التي تحترق به.
عام 1995 كسرت جاميسون جدار الصمت وأصدرت مذكراتها الشهيرة An Unquiet Mind «عقل لا يعرف السكون». لم تكتب باعتبارها طبيبة تنظر إلى المريض من خلف مكتب، بل باعتبارها الطبيبة والمريضة في الجسد نفسه، وكان اعترافها مهماً لأنه هدم خرافة أخرى: أن المرض النفسي علامة ضعف، أو أن الطبيب النفسي محصَّن ضد المرض لأنه يعرف أعراضه، طبيب القلب يمكن أن يصاب بجلطة، وطبيب الأورام يمكن أن يصاب بالسرطان، والطبيب النفسي يمكن أن يمرض عقله، استمرت جاميسون في العلاج، واستمرت في البحث والكتابة والتدريس، وأصبحت أستاذة في Johns Hopkins وواحدة من أشهر الأصوات العلمية التي تحدثت عن اضطرابات المزاج من الداخل والخارج معاً، ولعل أهم درس في حياتها أن العلاج لم يقتل إبداعها.
المرض كاد يفعل، لم يكن الليثيوم سجناً للعقل، بل كان في جانب من قصتها سوراً يمنعه من الاندفاع نحو الهاوية، كانت كاي جاميسون تشرح لطلابها كيف يعالج الأطباء اضطراب ثنائي القطب، لكن أعظم درس قدمته لم يكن على السبورة.
كان حياتها نفسها، لم تكن مشكلة جاميسون أنها لا تستطيع الطيران، بل أنها احتاجت أن تتعلم كيف تعيش من دون أن تحترق أجنحتها.
نقلاً عن “الوطن”
المصدر: العربية – سياسة





