فرنسا تلوح بنموذج “القرم” لمعاقبة المستوطنات الإسرائيلية
تزامناً مع الضغوط داخل أوروبا لاتخاذ إجراءات عقابية ضد المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، دعت فرنسا، الأربعاء، الاتحاد الأوروبي إلى حظر التجارة مع المستوطنات، أسوة بالقيود التي فرضها التكتل على الواردات والاستثمارات المرتبطة بشبه جزيرة القرم بعد ضم روسيا لها عام 2014.
وقال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، إن المستوطنات الإسرائيلية كيانات غير قانونية بموجب القانون الدولي. وأضاف أنه “لا يمكن للاتحاد الأوروبي دعم كيانات غير قانونية من خلال المبادلات التجارية معها”، على خلفية تصاعد عنف المستوطنين في الضفة الغربية، فيما لا تزال دول الاتحاد منقسمة بشأن فرض قيود تجارية موحدة على المستوطنات، رغم تحرك دول مثل هولندا وإيرلندا وبلجيكا وإسبانيا بشكل منفرد.

فيما أعادت الدعوة الفرنسية إلى الواجهة سابقة العقوبات الأوروبية على القرم، التي شملت حظر استيراد المنتجات القادمة من شبه الجزيرة وسيفاستوبول، وقيوداً على الاستثمارات والخدمات والسياحة وتصدير بعض السلع والتكنولوجيات، في إطار سياسة أوروبية لعدم الاعتراف بضم الأراضي الذي تعتبره مخالفاً للقانون الدولي.
ماذا حدث في “نموذج القرم”؟
هذا ويملك الاتحاد الأوروبي بالفعل نموذجاً لاستخدام الأدوات التجارية والاقتصادية لعزل أراض يعتبر وجود سلطة الدولة القائمة عليها غير قانوني بموجب القانون الدولي، فبعد إعلان روسيا ضم شبه جزيرة القرم ومدينة سيفاستوبول عام 2014، بدأ الاتحاد الأوروبي في فرض حزمة متدرجة من الإجراءات التقييدية، شملت حظر استيراد المنتجات القادمة من القرم وسيفاستوبول إلى أسواق الاتحاد، إلى جانب منع الاستثمارات الجديدة في قطاعات البنية التحتية والنقل والاتصالات والطاقة.

كما فرض الاتحاد قيوداً على تصدير بعض السلع والتكنولوجيات إلى المنطقة، ولا سيما تلك المرتبطة بالنقل والطاقة والنفط والغاز والموارد المعدنية، فضلاً عن تقييد الخدمات السياحية ومنع السفن الأوروبية من دخول موانئ القرم، باستثناء حالات الطوارئ.
ولم تكن تلك الإجراءات مؤقتة؛ إذ واصل الاتحاد الأوروبي تمديدها، مؤكداً أنه “لا يعترف بضم روسيا غير القانوني للقرم وسيفاستوبول”، وأن القيود تستند إلى سياسة عدم الاعتراف بالضم المخالف للقانون الدولي.
علماً بأنه منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا عام 2022، توسعت العقوبات الأوروبية على موسكو بصورة كبيرة، لتشمل عشرات الحزم التي تستهدف الأفراد والكيانات والقطاعات الاقتصادية المرتبطة بالحرب الروسية على أوكرانيا.

خطوات منفردة
أتت الدعوة الفرنسية في وقت بدأت فيه بعض الحكومات الأوروبية بالفعل اتخاذ خطوات وطنية ضد التجارة المرتبطة بالمستوطنات، فقد أعلنت هولندا مؤخراً أنها ستحظر استيراد المنتجات من الأراضي الفلسطينية المحتلة التي تسيطر عليها المستوطنات الإسرائيلية اعتباراً من 22 سبتمبر الجاري، لتنضم بذلك إلى دول أوروبية أخرى، بينها إيرلندا وبلجيكا وإسبانيا، التي فرضت قيوداً على التجارة المرتبطة بالمستوطنات.

فيما تكتسب الخطوة الهولندية أهمية خاصة بالنظر إلى حجم تجارتها مع المستوطنات؛ إذ تشير بيانات نقلتها وكالة الصحافة الفرنسية عن منظمة “غلوبال إيكو” إلى أن هولندا استحوذت على نحو ثلث الصادرات الزراعية القادمة من المستوطنات الإسرائيلية، ونحو نصف إجمالي الصادرات المتجهة إلى دول الاتحاد الأوروبي.
لكن انتقال هذه الإجراءات من مستوى الدول الأعضاء إلى قرار موحد على مستوى الاتحاد الأوروبي يظل أكثر تعقيداً، فالمفوضة العليا للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، أدانت هجمات المستوطنين الإسرائيليين في الضفة الغربية ودعت إلى اتخاذ “عمل رادع” لوقفها، مشيرة إلى وجود مقترحات أوروبية لوقف التجارة مع المستوطنات، لكنها أقرت بعدم وجود إجماع عليها.
كما لا يقتصر النقاش على الاتحاد الأوروبي، فبريطانيا تدرس أيضاً إجراءات أكثر صرامة تجاه المستوطنات الإسرائيلية، إذ قال وزير خارجيتها إد ميليباند إن لندن ستطرح خلال الأسابيع المقبلة حزمة “شاملة” من الإجراءات المتعلقة بالمستوطنات في الضفة الغربية، محذراً من أن مشروع “E1” الاستيطاني يمكن أن يهدد إمكانية إقامة دولة فلسطينية ويقوض حل الدولتين.
في المقابل، حذرت إسرائيل لندن من اتخاذ إجراءات عقابية، إذ قال وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر إن أي إجراء بريطاني ضد إسرائيل سيقابله إجراء إسرائيلي ضد بريطانيا.

تصعيد الضفة الغربية
هذا وتشهد الضفة الغربية خلال الأشهر الأخيرة اعتداءات شبه يومية استهدفت فلسطينيين وممتلكاتهم، فيما لا تزال عمليات توقيف المشتبه بهم محدودة.
ومؤخراً، ندد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بعنف المستوطنين في الضفة الغربية المحتلة، مستنكراً في خطوة نادرة من نوعها ما وصفه ب”أعمال عنف إجرامية” ارتُكبت في قريتي قصرة وجالود السبت الماضي.
علماً بأن قصرة تقع في منطقة تحيط بها تلال تنتشر فيها بؤر استيطانية، فيما لا تزال القوات الإسرائيلية تنفذ عمليات في محيط البلدة منذ أحداث الحصار السابقة. ويعيش في الضفة الغربية، التي تحتلها إسرائيل منذ عام 1967، نحو ثلاثة ملايين فلسطيني، بينما يقدر عدد المستوطنين الإسرائيليين فيها بنحو نصف مليون، من دون احتساب المستوطنين في القدس الشرقية المحتلة، الذين يزيد عددهم على 200 ألف.
هذا وتعتبر الأمم المتحدة ومعظم الدول المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية غير قانونية بموجب القانون الدولي.
المصدر: العربية
