الفلسطيني راكان مياسي يواجه الزواج القسري والذاكرة بالحياة والسينما
وصل المخرج الفلسطيني راكان مياسي إلى مهرجان كان السينمائي حاملاً فيلمه الروائي الطويل الأول “Yesterday the Eye Didn’t Sleep” أو ”البارح العين ما نامت“، وهو عمل شخصي وحميمي يستند إلى قصة حقيقية من حياة جدته اللبنانية، ويطرح عبرها أسئلة مؤلمة عن الزواج القسري والتقاليد والمرأة والحياة تحت الخوف والحرب.
الفيلم الذي شارك ضمن قسم “نظرة ما” في مهرجان كان، تدور أحداثه في سهل البقاع اللبناني، ويتابع مصير شقيقتين تنتميان إلى إحدى القبائل البدوية، تجد كل منهما نفسها وسط نزاع دموي بين عشيرتين، بعد أن يتسبب ابن عمهما في مقتل أحد أفراد قبيلة منافسة عن طريق الخطأ. ولإنهاء الثأر، تُقدَّم الفتاتان كعروسين في محاولة للتكفير عن الجريمة واحتواء الصراع.
مياسي أوضح أن الشرارة الأولى للفيلم جاءت من حكايات جدته التي كانت قريبة جداً منه، مشيراً إلى أنها تزوجت وهي في الرابعة عشرة من عمرها، وأنها كانت تتأثر بشدة كلما تحدثت عن تلك المرحلة، وهو ما ترك داخله أثراً عميقاً دفعه لتحويل القصة إلى فيلم. وأضاف أن جدته رحلت قبل بدء التصوير بثلاثة أشهر فقط، الأمر الذي منحه دافعاً أكبر للمضي في المشروع رغم الصعوبة العاطفية التي رافقته.
ورغم أن الفيلم يتناول الزواج القسري وانتقاد بعض التقاليد القديمة، فإن مياسي يؤكد أنه لم يكن يسعى إلى إدانة الأشخاص بقدر ما أراد فهم الظروف الاجتماعية التي كانت سائدة في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي، موضحاً أن زواج القاصرات كان أمراً شائعاً في تلك الفترة، لكنه لا يريد تقديم شخصياته كضحايا مطلقين أو شياطين مطلقة.
ويحمل الفيلم بصمة بصرية هادئة وقريبة من المدرسة الواقعية التي اشتهر بها المخرج الإيراني عباس كيارستمي، كما اعتمد مياسي على أسلوب تصوير مرتجل دون سيناريو تقليدي مكتمل، مستعيناً بممثلين غير محترفين، جميعهم يظهرون أمام الكاميرا للمرة الأولى. وحرص المخرج على إعادة كتابة الحوارات بناءً على طبيعة الشخصيات الحقيقية، للوصول إلى أكبر قدر ممكن من الصدق والعفوية.
وصُوّر العمل بالقرب من الحدود السورية خلال مارس 2025، في وقت كانت فيه المنطقة تعيش توترات أمنية وقصفاً متكرراً، وهو ما انعكس بشكل مباشر على أجواء التصوير. وقال مياسي إن فريق العمل كان يسمع أصوات الانفجارات بشكل متكرر أثناء التصوير، واضطر في بعض المشاهد إلى إعادة اللقطات بسبب دوي القصف. وأضاف أن التجربة كانت مرهقة نفسياً وعاطفياً، لأن الجميع كان يعمل تحت شعور دائم بالخطر وعدم اليقين. ورغم ذلك، يرى مياسي أن الاستمرار في صناعة الأفلام بالنسبة له شكل من أشكال المقاومة والحفاظ على الحياة، مؤكداً أنه لا يستطيع أن يعرّف نفسه كمخرج إذا توقف عن صناعة السينما بسبب الخوف أو الحرب.
المخرج البالغ من العمر أربعين عاماً وُلد في ألمانيا لعائلة فلسطينية، ونشأ في الأردن قبل انتقاله إلى لبنان ليكون قريباً من جدته. واليوم يعيش بين بروكسل ولبنان، لكنه يؤكد أن جذوره الفلسطينية واللبنانية تظل حاضرة في كل ما يقدمه فنياً وإنسانياً. وخلال حديثه عن الأوضاع في المنطقة، شدد مياسي على أن الفنان لا يمكنه تجاهل ما يحدث حوله، خاصة مع استمرار الحرب في غزة وسقوط المدنيين يومياً، معتبراً أن السينما بالنسبة له ليست مجرد وسيلة فنية، بل موقف أخلاقي أيضاً.
ويستعد مياسي حالياً لفيلمه الجديد “The Passport”، وهو كوميديا سوداء تدور حول رجل يعيش في غزة ويدير مصنعاً للبسكويت، مؤكداً أن الاستمرار في رواية القصص وصناعة الأفلام هو طريقه الوحيد للحفاظ على إنسانيته والأمل بالحياة، قائلاً: “المقاومة بالنسبة لي هي أن أستمر في الوجود… وأن أواصل صناعة الأفلام”.
المصدر: البلاد البحرينية



