نكبة 23 على طريق نكبة 48 والسبب؟ حزب الله
إذا كانت نكبة 1948 قد شكّلت واحدة من أكبر مآسي الشعب الفلسطيني، حين أدت حرب فلسطين إلى تهجير نحو 750 ألف فلسطيني من منازلهم، وفق بيانات الأمم المتحدة ووكالة الأونروا، فإن جنوب لبنان عرف، منذ 8 تشرين الأول 2023، نكبة من نوع آخر: نكبة لم تبدأ بقرار لبناني، ولم تُستشر فيها الدولة اللبنانية، وإنما فُرضت على أهل الجنوب تحت عنوان “إسناد غزة”.
الفارق بين النكبتين كبير في الأسباب والسياقات، لكن ثمة قاسم مشترك مؤلم: المدنيون هم الذين دفعوا الثمن. في 1948، وجد الفلسطينيون أنفسهم أمام حرب انتهت باقتلاعهم من قراهم ومدنهم. وفي نكبة الجنوب اللبناني، وجد اللبنانيون أنفسهم أمام حرب طويلة بعدما قرر “حزب الله”، في 8 تشرين الأول 2023، فتح جبهة الجنوب دعمًا لحركة “حماس”، من دون أن يكون هناك قرار من الدولة اللبنانية بخوض الحرب. وقد وثقت تقارير دولية أن “حزب الله” بدأ مهاجمة إسرائيل في ذلك التاريخ، فتحولت المواجهات تدريجيًا إلى حرب واسعة.
لكن المأساة اللبنانية تحمل مفارقة أشد قسوة. ففي 1948 كان الفلسطينيون يواجهون حربًا مفروضة عليهم. أما في جنوب لبنان عام 2023، فقد وجد السكان أنفسهم في حرب اتُّخذ قرارها باسمهم من قوة مسلحة خارج القرار السيادي للدولة. وهنا تكمن مسؤولية “حزب الله”.
قال “الحزب” إنه يخوض “حرب إسناد” لغزة، وكأن الجنوب اللبناني أرض سائبة يمكن تحويلها إلى جبهة إضافية في صراع إقليمي. لكن السؤال الذي بقي بلا جواب هو: من أسند الجنوب اللبناني؟ ومن أسند آلاف العائلات التي فقدت منازلها وأرزاقها وأراضيها؟
تحولت قرى الجنوب إلى ساحات قتال، واضطر سكانها إلى النزوح، فيما دفع لبنان كله كلفة قرار لم يتخذه. والأسوأ أن “الحزب” قدّم هذه الخسائر بوصفها جزءًا من “المقاومة”، وكأن تدمير البيوت وتهجير أهلها يمكن أن يصبحا إنجازًا عسكريًا لمجرد رفع شعار غزة.
وهنا تصبح تسمية “نكبة 2023” ذات دلالة سياسية عميقة. فكما تركت نكبة 1948 أجيالا فلسطينية تحمل ذاكرة الاقتلاع واللجوء، فإن ما جرى في جنوب لبنان منذ 2023 يهدد بترك ذاكرة لبنانية جديدة عنوانها: أرض تُدفع ثمن حروب الآخرين.
المفارقة أن “حزب الله”، الذي يرفع شعار حماية الجنوب، انتهى إلى جعل الجنوب مرة أخرى خط المواجهة الأول.
لذلك، فإن الدرس الأهم من “نكبة 2023” ليس عسكريًا بل سياسيًا: لا يمكن للبنان أن يستعيد عافيته ما دام قرار الحرب والسلم خارج مؤسسات الدولة.
نكبة 1948 شرّدت الفلسطينيين من أرضهم. أما نكبة 2023، فدفعت لبنانيين إلى ترك أرضهم بسبب حرب لم يختاروا خوضها.
نقلاً عن نداء الوطن
المصدر: العربية – سياسة





